حديث الجمعة
دروس وعبر من ذكرى عيد الاستقلال (194) .
الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، وناصر عباده المستضعفين، يقضي بالحق وهو خير الفاصلين، نشهد أنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله النور الهادي الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد :
فيقول الله –تعالى- في محكم تنزيله -وهو أصدق القائلين-: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 34].
قراءنا الأوفياء: نخصص خطبتنا اليوم لموضوع التذكير بتاريخ أمتنا المغربي المجيد، والإنسان مرتبط بتاريخه القديم والحديث، لا يعيش الحياة الطيبة بدون تاريخه؛ إذ البلاد بدون تاريخ كهيكل بلا روح.
وإن من تاريخ أمتنا المغربية المكتوبِ بمداد الفخر والاعتزاز ذكرى عيد الاستقلال المجيد، التي يخلدها الشعب المغربي في الثامن عشر من شهر نونبر من كل سنة، وهي ذكرى تذكرنا بنعمة الحرية والاستقلال، والتحرر من ربقة التبعية والاستعمار.
والاستعمار في قاموس أصحابه المستعمرين: يرادف القتل والتشريد والنهب والسرقة والاستغلال، وتعذيب الرجال بالأعمال الشاقة والسجون والمنافي، ولهذا سماه البعض بالاستخراب.
ولا يعترف بنعمة الاستقلال ولا يعرف فضلها، إلا من عرف نقمة الاستعمار؛ فالاستعمار -مهما فعل- لا يعدو أن يكون نقمة؛ بل أكبر نقمة على الأمم والشعوب، لا يرضى به إلا من ألف المذلة والمهانة، ولا يقبل به إلا من لا قيمة عنده للحرية والشرف والديانة.
ونقمة الاستعمار تتجلى في أمرين يشكلان أساس أهداف الاستعمار في بلاد المسلمين هما:
– سرقة ثروات البلاد وهي النقمة المادية.
– إفساد أخلاق الدين وهو النقمة المعنوية.
ومن أجل هذين الأمرين شُنَّتْ الحروبُ الصليبية على بلاد المسلمين.
فالأمر الأول الذي هو سرقة ثروات البلاد فقد تجلى ذلك في الاستيلاء علي الطاقات البشرية والثروات الطبيعية؛ بدءا من اليد العاملة المجانية بدون مقابل، إلى المعادن النفيسة، إلى المنتوجات الفلاحية، إلى الصيد البحري، حتى أشجارُ الغابات تم قطعها واستئصالها؛ ليشحن كل ذلك إلى بلاد المستعمر، تاركا وراءه أصحاب البلاد معرضين للقفر والجوع والأمراض.
فقد قتل الاستعمار وشرد ونهب ويَتَّم ورمَّل وعذب، وفعل كل الجرائم المحرمة دينيا ودوليا من أجل نقل ثروات الأوطان إلى بلده، لتصير قُوتَه فيستمتعَ بها، وليصنع منها قُوّة يسيطر بها على الآخرين، وهذه هي نقمة الاستعمار المادية التي عانى منها آباؤنا وأجدادنا.
أما نقمة الاستعمار المعنوية: فتتجلى في محاربة كل ما له علاقة بالإسلام، فالاستعمار لا يكفيه السيطرة على خيرات البلدان الإسلامية المادية فحسب؛ بل يريد أيضا إبعاد المسلمين عن دينهم الحنيف، وقد سلك المستعمر لإفساد الدين مسالك شتى.
منها: إفساد الأسرة؛ ولتحقيق ذلك سلط أضواءه الكاشفة الغاشمة على المرأة وحقوقها، مدعيا أنه يريد تحريرها وإنما أراد التغرير بها لتتمرد وتتبرج بكيفية تغرى الذئاب الجائعة من الرجال بالفتنة بها، والإيقاع بشرفها ونسف عرضها، فتغزو القلوب بجمالها وفتنتها، في الوقت الذي يغزو الفساد عِرضها وشرفها؛ وما كانت جداتُ آبائنا ولا جداتُنا وأمهاتُنا قبل الاستعمار يَعْرِفن هذا أو يخطر ببالهن.
ومنها: إفساد التعليم بفصله عن الدين، وقد كان قبل ذلك يتكون الطبيب وهو فقيه، مثل العائلات العلمية المشتهرة بالطب في تاريخ الإسلام؛ ابن رشد القرطبي الجد والحفيد، وابن زهر الإشبيلي الجد والحفيد، والإمام المازري وغيرِهم من الأطباء الفقهاء، وكذلك يتخرج القاضي فقيها ومحدثا، بل لا يكون القاضي قاضيا إلا إذا كان فقيها ومحدثا، ولنا في القاضي أبي بكر ابن العربي والقاضي عياض خير دليل، فلما جاء الاستعمار بدأ يتخرج عندنا المتخرجون في جميع المجالات وهم أميون في الدين.
وهذا كله نتيجة مخططات هذا الاستعمار التي استمرت واستُثْمِرَت مع الأسف حتى في الاستقلال، حيث زرع المستعمر بذورها، وما زلنا نحصُد نقمة ما زرع إلى اليوم.
ومنها: تهميش دور العلماء والفقهاء؛ حيث لم يترك لهم أي مجال اجتماعي يتحركون فيه، ولم يبق لهم إلا المساجد، فهمشهم الاستعمار فيها كما همش في بلاده الأحبار والرهبان في كنائسهم، ولم يترك لهم إلا أمر الزواج، وصكوك الغفران.
وحتى ينجح الاستعمار في خطته تلك، ويحقق هدفه من سرقات الثروات وإفساد الدين في بلدنا المغرب بادر إلى التفريق بين العرش العلوي الشريف، والشعب المغربي المنيف، لكي يستفرد بخيرات هذا الوطن ويصده عن دينه، لكن أَنَّى له ذلك؟.
فقد أكرم الله هذا البلد شعبا وملكا بالتلاحم والتعاون لمحاربة هذا الاستعمار الصليبي الذي يستنـزف خيرات البلاد ويذل العباد، ويشوه كل ما له علاقة بهوية الإسلام، حتى أدت به وقاحته إلى أن يمد يده الأثيمة لرمز البلاد محمد الخامس طيب الله ثراه، فنفاه إلى منفاه السحيق؛ إبعادا له عن وطنه وشعبه، ظنا منه أن الجو سيخلو له، وأن الاستغلال سيحلو له، ناسيا أن كل مغربي يحمل في قلبه شخصية قائده، فقامت المقاومة بما يسمى اليوم بحرب العصابات ضد أفراد الاستعمار والخونة، فقدموا من أجل ذلك آلاف الشهداء، ولم تثن عزائمَهم السجونُ ولا المنافي السحيقة؛ كل ذلك في سبيل الدفاع عن المقدسات الدينية والوطنية، الشيء الذي أرق الاستعمار وأقض مضجعه، فارتحل من البلاد وهو يجر أذيال الخيبة والندم، فيرجع مولانا محمد الخامس -طيب الله ثراه- إلى البلاد منتصرا تاليا قوله –تعالى-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 34]. ومرددا قوله: “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”.
فنال المغرب بذلك الاستقلال، وذلك في اليوم الثامن عشر من شهر نونبر، سنة: (1955م).
فالاحتفال بهذه الذكرى هو مناسبة لتقوية أواصر التلاحم القائم بين العرش والشعب، ومناسبة لأخذ العبر والدروس من الماضي للأجل العمل بها في الحاضر وبناء المستقبل.
وها هو جلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- يقود قطار الجهاد الأكبر، جهاد التنمية وبناء الوطن بحكمته وحنكته، في مساع حميدة، وجولات تنموية مجيدة، يواصل بعزيمة الأبطال، مسيرة الإنجازات الإنمائية، من أجل رفاهية شعبه وراحة رعيته، تجسيدا لآمال المواطنين وأمانيهم؛ للسير قدما بهذا البلد نحو التقدم والرقي والازدهار، في ظل الثوابت والمقدسات، وفي ظل المثل العليا والقيم الخالدة.
حفظ الله مولانا الهمام وسدد خطاه، وأمد في عمره وأبقاه، وحفظه في شعبه وولي عهده وأسرته.
وتغمد الله بواسع رحمته الملكين المجاهدين: مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم ارحمهما واجعل مقامهما عندك في أعلى عليين، مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين، والشهداء والصالحين،وحسن أولئك رفيقا آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.




عذراً التعليقات مغلقة