حديث الجمعة الحلقة: (142) دروس وعبر من حدث المسيرة الخضراء.

صوت سوس3 نوفمبر 2017
حديث الجمعة الحلقة: (142) دروس وعبر من حدث المسيرة الخضراء.

حديث الجمعة
دروس وعبر من حدث المسيرة الخضراء.
الحلقة (142)

الحمد لله رب العالمين، الهادي من أراد به خيرا من عباده إلى أقوم سبيل، نحمده سبحانه حمدا يليق بكماله، حمدا لا نهاية لعدده، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد عبده ورسوله، وعلى آله وصحابته، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فيقول الله –تعالى- في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5]
وإن من أيام الله -عز وجل- التي سجل تاريخها حدثا هَامًّا يومَ السادس نونبر سنة 1975م حدثا غير مجرى التاريخ المغربي المعاصر، ذلك اليوم الذي انطلقت فيه المسيرة الخضراء المظفرة؛ لتجمع شمل الأمة المغربية، وتوحد صفوفها، وتسترجع أقاليمها، وتصل رحمها، وكلنا يعلم أن المحتلين لبلدنا وللبلاد الإسلامية لم يكن لهم من همّ سوى التشتيت والتفريق والإضعاف، وذلك لنهب الخيرات وإضعاف القدرات، والتمكن من الاستغلال الطويل الأمد دون رقيب ولا حسيب، لكن الله تعالى قيد لهذا البلد مجاهدين شجعانا، وملوكا أفذاذا، ضحوا بالغالي والنفيس لتحرير البلاد وتوحيدها.
ورغم أن المغرب حظي بالاستقلال منذ أواسط الخمسينات بقيادة الحركة الوطنية وعلى رأسها جلالة الملك محمد الخامس -رحمه الله- إلا أن أجزاء منه بقيت تحت سلطة الأجنبي وهيمنته، فجاءت المسيرة الخضراء المتميزة بقيادة الملك الملهم الحسن الثاني -رحمه الله- في أواسط السبعينات لتتابع مسيرة التحرير، وتُضمَّ أقاليمنا الجنوبية إلى البلد الأم.
ونقف اليوم وقفة تأمل لهذه الذكرى الجليلة، لنستلهم أهم الدروس والفوائد المأخوذة منها وهي كثيرة وعديدة:
أولها: يستمد من اسمها، فهي مسيرة خضراء، ومن هذا الاسم تُفهم طبيعتها، فهي ليست حمراء؛ إذ لا سفك للدماء فيها، وليس سوداء؛ إذ أهلها متفائلون ليسوا من أهل الظلام ولا الظلمات، فهي رمز للسلم وعنوان له، كان الهدف منها تحرير الأقاليم الجنوبية وصلة الرحم بالصحراء المغربية وسكانها الأصلاء الذين حافظوا على الولاء لبيعتهم الشرعية لملوك الدولة العلوية الشريفة.
ثانيها: أن هذه الأمة فيها خير كثير، وعاطفة دينية متأججة، واستعدادات قيمة هائلة، وطموح عظيم إلى الوحدة، وحماسة وطنية خالصة، واستعداد منقطع النظير لخدمة الأمة وقضاياها الكبرى، فما إن سمعت هذه الأمة النداء الداعي إلى الوحدة من قبل ملكها الملهم الحسن الثاني -رحمه الله- حتى هبت إلى الاستجابة له والسير خلفه، والتضحية بالنفس لجمع شمل البلد وتوحيد صفه.
فالأمة المغربية تنعم منذ قرون بنعمة التلاحم والترابط، وستظل بإذن الله على ذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فقوة الأمة وقدرتها على فرض احترامها رهين بما تكون عليه من وحدة صف واجتماع كلمة، كما أن ضعفها وضياع هَيبتها رهين ومقترن بوجود دعاة التفرقة والتجزئة والطائفية الذين يكون تفكيرهم في منافعهم الخاصة مقدما على تفكيرهم في مصير الأمة وفي رسالتها.
ثالثها: هذا البلد الحبيب لا يمكن أن يحقق شيئا يذكر ويشكر إلا بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلما اشتدت المحنة ونزل البلاء وهددت الوحدة، كلما هرع الناس إلى دينهم وجعلوه مستندهم في اجتياز المحنة.
وإنه لا يمكن قيادة الأمة ولا توجيهها إلا بهذا النفس وبهذا الخطاب؛ لذلك كانت العاطفة الدينية الإسلامية القرآنية هي الحافزَ الأساسيَ للمجاهدين في مسيرة الاستقلال، ولا سبيل إلى الاستقلال والتحرر إلا بالوحدة والاتحاد، ولا وحدة إلا بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ففي الموطأ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إن تمسكتم به لن تَضِلّوا بَعْدي أبدا كتاب الله وسنتي”.
وقد تجلى هذا المعنى بشكل عجيب في المسيرة الخضراء. فمبدعها الملك الملهم -رحمه الله- لم يسلح الناس بالأسلحة الثقيلة ولا الخفيفة، ولم يرسل معهم جيوشا من المقاتلين، وإنما سلحهم بكتاب الله، وحمسهم بالتضحية من أجل دينهم ووطنهم وملكهم.
رابعها: أن هذه المسيرة كانت تواصلية، قصد منها صلة الرحم بين المغاربة في الشمال والوسط والجنوب وبين إخوانهم في الصحراء المغربية، وقد توجه من مدن المغرب كلها ما يزيد عن ثلاثمائة وخمسين ألف متطوع ومتطوعة، قصدوا صلة الرحم وحفظوا للأجيال من بعدهم ذكريات تلك المسيرة الخضراء الناجحة، التي شهد التاريخ وكتب بأنه لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأمم.
خامسها: أن المسيرة الخضراء بَيَّنَتْ طبيعة العلاقة بين المغاربة وملوكهم من المحبة والتعلق والتفاني، وهي نعمة عزت في دول كثيرة. فهذه دول عن اليمين واليسار والشمال والجنوب لا تعرف استقرارا ولا هدوءا؛ لافتقارها إلى علاقة الود والتطاوع بين الراعي والرعية. فينشأ عن ذلك مشاكل لا أول لها ولا آخر، وفتنٌ كقطع الليل المظلم. والله –تعالى- عصم المغرب من هذه القلاقل وجمع شمل المغاربة ملكا وشعبا، فلله الحمد والمنة.
وهذا هو النَّفس نَفْسُه الذي يحافظ عليه ويجدده جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، وذلك بحرصه على وحدة المغرب واستكمال حريته وحفظ أمنه واستقراره، وقيادة مسيرة التنمية، ومسيرة التحرر من الفقر ومن الأمية.
فاللهم أدم على بلدنا المغرب نعمة الأمن والأمان، واحفظه بعينك التي لا تنام، ووفق من أراده بخير لكل خير، واجعل دائرة السوء تدور على كل من أراده بسوء ومكر، واحفظ اللهم ملكنا وشعبنا وزرعنا وضرعنا وتجارَتَنَا، واجعل بلدنا بلد الدين، وراحة المحتاج والمسكين، آمين يارب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور/ أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة