حديث الجمعة
المال المزكى في الإسلام وشروطه.
الحلقة 138
الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103] سبحانه له الحمد بجميع المحامد على كل النعم، ومن بينها نعمة المال، ونشهد أنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له الكبير المتعال، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله النبي الرحمة، وهادي الأمة، وكاشف الغمة، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فقد روى أبو عُبيد القاسم بن سلاّم في كتابه الأموال قال: “حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ –رضي الله عنه- يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ، حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَمَنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ لَمْ تُطْلَبْ مِنْهُ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا تَطَوُّعًا، وَمَنْ أُخِذَ مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا الشَّهْرُ مِنْ قَابِلٍ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: أُرَاهُ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ جَاءَنَا فِي بَعْضِ الْأَثَرِ وَلَا أَدْرِي عَنْ مَنْ هُو،َ أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ الَّذِي أَرَادَهُ عُثْمَانُ هُوَ الْمُحَرَّمُ”.
أخي القارئ الكريم: قد عَرَضْنَا في الحلقة الماضية على ميزان الشرع ما يقوم به بعض الناس من حزن وفرح وسحر وشعوذة ويربطونه بعاشوراء، وعاشوراء منه بريء، ورأينا أن ذلك غير جائز بنصوص الشرع.
وفي حلقة اليوم من ركن حديث الجمعة نعرض عملا آخر على ميزان الشرع يقوم به بعض الناس في عاشوراء؛ لنرى هل هو مقبول أو مردود؟، هذا العمل هو إخراج الزكاة في شهر محرم في اليوم العاشر منه.
ومعلوم من الدين بالضرورة أن إخراج الزكاة ركن من أركان الإسلام، لا يرتبط بمحرم ولا بغيره من شهور العام، وإنما بدوران الحول في أي شهر كان، لكن لماذا جل الناس يخرجونها في محرم؟.
فعند رجوعنا للتأصيل إلى هذا العمل، وجدناه ثابتا عن سيدنا عثمان بن عفان –رضي الله عنه- في قوله: “هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ، حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ” وقد سمعنا أن راوي هذا الأثر يقول: “وَقَدْ جَاءَنَا فِي بَعْضِ الْأَثَرِ […] أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ الَّذِي أَرَادَهُ عُثْمَانُ هُوَ الْمُحَرَّمُ”. والنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» [الجامع الصحيح للسنن والمسانيد].
وعلى كل حال فالزكاة سواء أخرجها المسلم ذو المال في محرم، أو في غيره من شهور العام، فهي حق أوجبه الله –تعالى- عليه، يُعْطَى لمن يستحقه، قال تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19].
وهذا الحق هو الزكاة، والزكاة قرينة الصلاة في محكم القرآن، جاء في منعها والبخلِ بها الوعيد بالنيران، قال الله -عز وجل-: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180].
وقال –صلى الله عليه وسلم-: “مَن آتاهُ الله مالاً، فلم يؤدِّ زكاتَه مُثِّل له يومَ القيامةِ شُجاعاً أَقْرَعَ له زَبيبَتانِ، يُطَوَّقُه يومَ الْقيامةِ، ثم يَأخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يعني شِدْقيْهِ- ثم يقولُ: أنا مالُكَ، أنا كَنْزُكَ، ثم تَلاَ: {لا يَحْسَبَنَّ الذينَ يَبْخَلونَ} الآية”. [رواه البخاري].
وقال عز من قائل: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35].
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» [رواه مسلم].
والزكاة واجبة في الذهب والفضة وما يقوم مقامهما اليوم من الأوراق النقدية، إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، ومقدار الزكاة في ذلك ربع العشر.
وتجب الزكاة في الديون التي للإنسان على الناس، يضمها إلى ما عنده من جنسها سواء كانت حالة أو مؤجلة، فيزكيها كل سنة إن كانت على غنى، أما إن كانت على فقير فلا زكاة عليه فيها حتى يقبضها فَيُزَكِّيَهَا سنة واحدة عما مضى؛ لأنها قبل قبضها في حكم المعدوم.
وتجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابا بنفسها أو بضمها إلى ما عنده من الدراهم أو العروض، والعروض هي كل مال أعده مالكه للبيع تكسبا وانتظارا للربح من عقار وأثاث ومواش وسيارات وآلات وأطعمة وأقمشة وغيرها، فتجب عليه الزكاة فيها وهي ربع عشر قيمتها عند تمام الحول.
فإذا تم الحول وجب عليه أن يُثَمِّن ما عنده من العروض، ويخرجَ رُبعَ عشر قيمتها أيضا.
وإذا كان للإنسان عقار يسكنه أو سيارة يركبها أو آلات لعمله، فلا زكاة عليه في شيء من ذلك؛ لقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلاَ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» [أخرجه مالك في الموطأ].
ويجب أن نعلم أن الزكاة لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب، وإذا أعطى المزكي زكاته لشخص يغلب على ظنه أنه مستحق فتبين فيما بعد أنه غير مستحق أجزأت عن المزكي.
ويجوز أن يدفع المزكي الزكاة إلى أقاربه الذين لا ينفق عليهم إذا كانوا مستحقين لها، ويجوز أن يدفعها لشخص محتاج للزواج إذا لم يكن عند ما يتزوج به. قال –تعالى-: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 60]
فاللهم تقبل من إخواننا المزكين التجار زكواتهم، وأخلف لهم ما أنفقوا واجعله في ميزان حسناتهم، آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل




عذراً التعليقات مغلقة