حديث الجمعة
ضوابط الأعراس
[الحلقة: 128]
الحمد لله رب العالمين، جعل الزواج سببا لبقاء النوع الإنساني الذي يحافظ على عمارة الأرض بما يصلحها من خير ونفع، ويدفع عنها كل فساد وظلم، نحمده -جل وعلا- على ما من به علينا من نعم لا تعد ولا تحصى، ونشهد أنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبدك ورسوله، دعا أمته إلى الزواج لكثير سواد الأمة يوم القيامة، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فقد تطرقنا في حصة الأسبوع الماضي من حديث الجمعة إلى موضوع الضوابط الشرعية لأفراحنا ومناسباتنا الدينية، حتى لا نقع في المحظور ونخالف الشريعة الإسلامية، ومما بيناه ونبهنا إليه أمر اختيار الزوج والزوجة الصالحة، وضوابط الخلوة بالمخطوبة، وغير ذلك مما هو مبسوط في ركن الجمعة الماضية.
وفي ركن اليوم نذكر ضوابط الوليمة في شرعنا الحنيف، ذلك أن الوليمة مما شُرِع فرحا وسرورا بنعمة الزواج، يدعى إليها الناس من أجل إكرامهم بما يقدَّم إليهم من مطعمَ ومشرب.
كما أن من مقاصدها إعلان النكاح وإشهاره، جاء في الحديثِ عن عبد الله بن الزبير بن العوام -رضي الله عنه- أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “أعلِنوا هذا النكاح” [أخرجه ابن حبَّانَ في صحيحه بإسناد حسن]
وأخرج الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه- أنّ عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- تزوَّج على عهدِ رَسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له النبيّ -صلى الله عليه وسلم- “بارك الله لك أولم ولو بشاة”.
فما أحسن وأجملَ أن تكون أفراحنا متفقة مع الشّرع؛ لتكون سببا لأفراحنا في الآخرة، يوم نلقى الله -عز وجل- فيرضى عنا سبحانه لطاعتنا له، وصبرنا على عدم اتباع هوانا وعدم مخالفتنا لشرعه, لهذا تحدث أهل العلم عن ضوابط وليمة الزواج وهي كثيرة:
منها: أن لا يقع في الوليمة إسراف ولا تضييع للمال، مما اعتاده اليوم الكثير من الناس، وللإسراف والتبذير صور كثيرة متعددة، منها التباهي في اختيار أفخم قاعات الحفلات وأغلَاها ثمنًا.
ومنها: المبالغَة في كثرة الأطعمة والأشربة مما يزيد على الحاجة، وينتهي به الأمر إلى أن يلقى في القمامة، وذلك مما حذر منه القرآن الكريم في قوله عز وجل: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26، 27]
قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: “التبذير: الإنفاق في غير حق”. [تفسير ابن كثير (5/ 69].
ومن التبذير المنهي عنه التنافس في اختيار أغلى الملابس ثمنا، مما لا يلبس إلا يوما واحدا، ويضرب عنه صفحا فيما بقي من أيام السنة، وهذا يخالف هدي النبي -صلى الله عليه وسلم القائل: خيرُ النكاح أيسرُه” [أخرجه ابن حبّان في صحيحه].
كما يخالف الحديث الصحيح القائل: “كلوا واشرَبوا والبَسوا وتصدَّقوا في غير مَخِيلَةٍ ولا سَرَف” [أخرجه الإمام أحمد في مسنده بإسناد حسن].
فأعراسنا في الحقيقة اليوم خالفت هذا الهدي النبوي وأصبحت ميدانًا للتفاخر والمباهاة، فيكلف الإنسان نفسه ما لا يطيق، ويتبع طرائق لا قبل له بها، فيكون بذلك الإسراف المذموم الذي تتبعه الديون التي تثقل كاهل الزوجين وتؤرق صفو سعادتهما، فالله الله في أبنائنا وبناتنا، لا نكلفهم ما لا يطيقون.
ومن الضوابط الشرعية للوليمة أن يكون فيها لهو وضرب بالدف؛ لما ورد في صحيح البخاري في قصة زواج الفارعة بنت أسعد قال -صلى الله عليه وسلم-:لأم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- “هل كان معكم من لهو؛ فإن الأنصار يعجبهم اللّهو؟!”.
والمراد باللهو في الحديث ما كان بعيدًا عن الغناء الفاحش بالكلمات البذيئة، التي تصف المفاتن وتثير كوامن النفس، والمصحوبة عادة بالمعازف وآلات اللهو المحرمة.
واستثنى الشرع الدُّفَ عند إعلان النكاح، فهو جائز مقبول، قال ابن بطال –رحمه الله-: “اتفق العلماء على جواز اللهو فى وليمة النكاح، مثل ضرب الدف وشبهه ما لم يكن محرمًا، وخصت الوليمة بذلك ليظهر النكاح وينتشر فتثبت حقوقه وحرمته.
قال مالك: لا بأس بالدف والكَبَرِ (الطبل) فى الوليمة؛ لأنى أراه خفيفًا، ولا ينبغى ذلك فى غير العرس، وقد سئل مالك عن اللهو يكون فيه البوق، فقال: إن كان كبيرًا مشهرًا فإنى أكرهه، وإن كان خفيفًا فلا بأس بذلك.
قال أصبغ: ولا يجوز الغناء فى العرس ولا فى غيره إلا مثلما فعل نساء الأنصار أو رجز خفيف مثلما كان من جواب الأنصار”. [شرح صحيح البخارى لابن بطال (7/ 279-280)].
وهذا الأمر وما فيه من جواز خاص بالنساء دون الرجال، قال ابن حجر –رحمه الله- في الفتح: “والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن”[فتح الباري لابن حجر (9/ 226)]
وقد خولف اليوم هذا الهدي باستضافة المطربين والمطربات، والمغنين والمغنيات، والتباهى بذلك مما عمت البلوى من الأغاني الماجنة التي يحدث فيها اختلاط بين الرجال والنساء ولا يجوز سماعها، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان: 6] قال ابن مسعود في تفسير الآية: “هو والله الغناء”. [تفسير ابن كثير (6/ 331)]
إضافة إلى ما في هذه الأغاني من إذاية للجيران، من المرضى وكبير السن، ومن الذين لهم أعمال بالنهار يريدون الخلود للنوم للاستراحة من أجل القيام بأعباء النهار.
فلا تستفتح أخي المتزوج حياتك بمعصية الله، ولا ترض الشيطان لتغضب الرحمن، فإن صوت الأغاني مزمار من مزامير الشيطان، فقد ورد في معنى قوله عز وجل: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا] [الإسراء: 64] قيل: هو الغناء. قال مجاهد: باللهو والغناء، أي: استخفهم بذلك.
وقال ابن عباس في قوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} قال: كل داع دعا إلى معصية الله، عز وجل. [تفسير ابن كثير ت سلامة (5/ 93)].
فاللهم وفق شبابنا وشاباتنا المتزوجين إلى التمسك بهدي الإسلام في ولائم النكاح، وبارك لهما في زواجهما يارب العالمين آمين.
وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل




عذراً التعليقات مغلقة