بسم الله الرحمن الرحيم
حديث الجمعة الحلقة: (124)
(ختام الشهر)
الحمد لله المتفرد بالبقاء، رب الأرض والسماء، الفعال لما يشاء، نحمده حمد الصالحين من عباده، ونشكره على نعمة التوفيق لطاعته، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد؛
فيقول الله -عز وجل- في محكم كتابه: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
إخوة الإيمان والإسلام، أيها القراء الكرام: ما أسرع ما تنقضي الليالي والأيام، وما أعجل ما تنصرم الشهور والأعوام، وهكذا حال الدنيا سريعة الزوال، قريبة الاضمحلال، لا يدوم لها حال، ولا يطمئن لها بال، وهذه سنة الله في خلقه، أدوار وأطوار تجري بأجل مسمى، ولكل أجل كتاب، أمس كنا ننتظر دخول رمضان، واليوم أصبحنا نَعُدُّ أيامه الأخيرةَ على رؤوس الأصابع.
ما أسرع انقضاء أيامه، وما أجعل انصرام لياليه، ولله الحمد على ما قضى وأبرم، وله الشكر على ما أعطى وأنعم.
إن أهل التفكر والتعقل، وأصحاب التبصر والتأمل، ليدركون تلك الحقائق حق الإدراك، فيأخذون من تعاقب الأزمان أعظم معتبر، ويستلهمون من انصرام الأيام أكبر مزدجر، يقول الله جل وعلا: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب} [آل عمران: 190]
أيها الأحباب الكرام، يا أهل الإسلام: ما أحوجنا إلى وقفات للمحاسبة الدائمة والمراقبة المستمرة، ما أحوجنا إلى فرص للتأمل ووقفات للنظر في الأحوال، والتفكر في الشؤون والأوضاع، وقفات نأخذ منها العبر والعظات، فتبصرنا بواقعنا، وخطوات مستقبلنا، وفي رمضان أعظم الفرص التي يجب على المسلم أن يتخذ منها جسرا لتقييم الجهود، وإصلاح الأوضاع قبل فوات الأوان وانقلاب الأزمان.
أخي المسلم أختي المسلمة: في رمضان دروس عظيمة يجب أن يحقق منها المسلم العزم على المجاهدة الحقة للشيطان، وأن تقوده إلى المسيرة الصحيحة على الصراط المستقيم، وأن تنأى به عن كل بغي وفساد بشتى صوره واختلاف أشكاله.
أخي المسلم: إن من فقه مقاصد الصوم كونَه وسيلة عظمى لبناء صفة التقوى في وجدان المسلم بأوسع معانيها وأدق صورها، يقول الله تعالي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]
فهل جعلنا من رمضان مدرسة نستلهم منها شدة العزم وقوة الإرادة على كل خير؟! تنظيما للسلوك، وتقويما للنفوس، وتعديلا للغرائز، وتهذيبا للظواهر والبواطن، وصفاء ونقاء للأعمال والضمائر، تمسكا بالخيرات والفضائل، وتحليا بالمحاسن والمكارم. حينئذ يخرج المسلم من صومه بصفحة مشرقة بيضاء، ناصعةٍ في حياته، مفعمةٍ بفضائل الأعمال ومحاسن الأفعال ومكارم الخصال.
أخي المسلم أختي المسلمة: مطالب القرآن تترى في الدعوة إلى الاستقامة على الخير، والثبات على الهدى، يقول ربنا -جلا وعلا-: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112].
ويقول –سبحانه-: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين} [الحجر: 99].
فهذه وصايا ربانية تتوجه للأفراد والمجتمعات من أجل الإقامة على أمور الإسلام، والدوام على منهج الدين، والاستمرار في التقيد بقيوده، والوقوف عند حدوده، والاستجابة لأوامره، والانتهاء عن زواجره على الوجه الأكمل، والطريق الأقوم.
أخي المسلم أختي المسلمة: استمع إلى نبيك سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- وهو يلخص لك وصية عظيمة ذات عبارات جميلة المبنى، جليلة المعنى، قليلة العبارة، كثيرة الإشارة، إنها وصية للأمة جمعاء، يقول للرجل حينما قال له: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال -عليه الصلاة والسلام-: {قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ} أخرجه مسلم.
إنها وصية تضمن بإذن الله -جل وعلا- للأمة على شتى أنواعها ومختلف مسؤولياتها، تضمن لهم حياة طيبة، وعيشة راضية، تحقق للمؤمنين سعادة أبدية، وعاقبة آمنة، يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 13، 14].
أخي المسلم أختي المسلمة: إن السعيد من عمر وقته باستصلاح آخرته، ولم تذهله مطالب الحياة عن حقوق خالقه، ولم تشغله رغائب الدنيا العاجلة عن حقائق الآخرة الباقية.
فيا من ذاق حلاوة الطاعة، احذر من مقارفة مرارة المعصية، كن برا تقيا في غير رمضان كما كنت في رمضان.
أخي المسلم أختي المسلمة: من حسن التوديع لهذا الشهر الكريم الإكثار من التكبير، فالله -جل وعلا- يقول: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
قال أهل العلم: “ويسن التكبير ليلة العيد في خلوات الناس ومجامعهم، يجهر به الرجال، وتَسُرُّ به النساء، يكبر المسلم حتى يفرغ من صلاة العيد كما جاء ذلك في الأثر”.
والمنقول عن أكثر الصحابة -رضي الله عنهم- في صفات التكبير هو أن نقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول في التكبير: {الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر وأجل، الله أكبر على ما هدانا.
فاللهم لك الحمد على ما أسديت، ووفقت وهديت، لك الحمد كثيرا كما تجزل كثيرا، ولك الحمد كثيرا كما تنعم كثيرا، نسألك اللهم أن تتقبل صلاتنا وصيامنا وقيامنا وركوعنا وسجودنا، وأن تجعلنا من عتقاء هذا الشهر آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.




عذراً التعليقات مغلقة