بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة الثامنة والعشرون:
من المقاصد الشرعية، للحياة الزوجية.
الحمد لله رب العالمين، خلق فسوى، وقدر فهدى، نحمده -جل وعلا- على كل ما أنعم به علينا وأولى، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فالحديث ما يزال مسترسلا عن موضوع الزواج ومتعلقاته، وأحكامه وحكمه وأسراره، فبعد حصة الأسبوع الماضي عن الضوابط الشرعية لأفراحنا ومناسباتنا الدينية، حرصا على اتباع السنة المطهرة، وتحذيرا من الوقوع في البدع المحرمة، نئوب مرة أخرى إلى الموضوع من زاوية ذكر بعض مقاصده وغاياته، وحكمه وأسراره، وهي كثيرة ذات نفع وغايات عظيمة، أقتصر اليوم على ذكر اثنين منها:
أولهما: عفة النفس وصيانتها من الفاحشة.
لقد خلق الله الانسان وركب فيه شهوات متعددة، من بينها شهوة الغريزة الجنسية، التي يشترك فيها الرجل والمرأة، والزواج طريق لإشباع هذه الغريزة بوجه مشروع يثاب عليه فاعله؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الطويل: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» [أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ح: 1006]
ولهذا السبب –أي: صرف الشهوة في الحلال- قال أهل العلم: بوجوب الزواج على من خاف على نفسه العنت والوقوع في الفاحشة، سيما في زمان كثرت فيه المغريات، وفتحت فيه أبواب الشهوات، وأصبح لا رادع ولا وازع إلا من عصمه الله من تلك المحرمات، والعبد مطالب بإعفاف نفسه وصرفها عن الموبقات، وطريق ذلك الزواج بالصالحات من المؤمنات.
يقول ابن عاصم –رحمه الله-:
وبِاعتبارِ النَّاكِحِ النِّكاحُ *** واجبٌ أوْ مَندوبٌ أوْ مُباحُ
قال الشارح: “أَي حكم النِّكَاح يخْتَلف بِاعْتِبَار حَال الناكح … وَاجِب أَو مَنْدُوب أَو مُبَاح أَو حرَام أَو مَكْرُوه، فتعرض لَهُ الْأَحْكَام الْخَمْسَة، فَيجب على الرَّاغِب فِيهِ إِن خشِي الْعَنَت وَلم يكفه الصَّوْم…” [البهجة في شرح التحفة (1/ 375 – 376)]
وقول الشارح –رحمه الله-: “إِن خشِي الْعَنَت وَلم يكفه الصَّوْم” إشارة إلى قوله –صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عنه عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه–: “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء”.[أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم ح: 5066 ومسلم في صحيحه من كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، ووجد مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم ح: 1400]
فالزواج صلة شرعية تجمع بين رجل ومرأة، لولاه لكانت تلك الصلة محرمة، وهو طريق لإبعاد النفس عن ما حرم الله من العلاقات الجنسية السيئة الفاسدة، التي كثرت في زماننا ونتج عنها نطف محرمة، نطف فقدت المعيل والمربي، واعْتُدِيَ على حياتها بوضعها في قمامة الأزبال للتخلص منها، وإن عاشت عاشت محبطة كئيبة، تشعر أنها منبوذة عاطفة وحنانا وعطاء وتربية.
لذلك أوصى القرآن الكريم بالعفة، ودعا إلى الصبر على الشهوة؛ ليعظم الأجر وتفتح أبواب الفرج بموعود الله عز وجل، قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33]
قال ابن كثير –رحمه الله-: “قال عكرمة في قوله: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا} قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله. [تفسير ابن كثير (6/ 52)]
ثانيهما: حفظ النسل.
من مقاصد الزواج العظيمة بعد مقصد العفة يأتي مقصد حفظ النسل، الذي يتمثل في إنشاء الأسر قصد عمارة الكون، وإصلاح الأرض، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
من أجل ذلك نجد السنة النبوية حثت على الزواج لتكثير النسل وحفظ بقاء النوع البشري، فعن مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ» [أخرجه النسائي في كتاب النكاح، باب كراهية تزويج العقيم ح: 3227]. قال الألباني حسن صحيح].
وتكثير النسل ليس مقصودا لذاته، بل المقصود مع تكثيره استقامته وتربيته، وتنشئته تنشئة تجعل منه نوعا صالحاً مصلحا، ينتفع به والداه في الحياة وبعد الممات.
في الحياة: لأن الذرية الصالحة تقر بها عين الوالدين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } [الفرقان: 74].
قال ابن كثير –رحمه الله-: “يعني الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم وذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له.
وقال ابن عباس: يعنون من يعمل بالطاعة، فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة.
وقال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالا ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين.
وقال الحسن البصري -وسئل عن هذه الآية – فقال: أن يري الله العبد المسلم من زوجته، ومن أخيه، ومن حميمه طاعة الله. لا والله ما شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا، أو ولد ولد، أو أخا، أو حميما مطيعا لله عز وجل”. [تفسير ابن كثير (6/ 132)]
وفي الآخرة: لأن صلاح الذرية يكون لسان صدق في الآخرين، بعد وفاة الوالدين، ويتحقق بالدعاء لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما.
وفي الحديث أن رجلا قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِيفَاءٌ بِعُهُودِهِمَا مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا». [أخرجه ابن ماجة في كتاب الأدب، باب صل من كان أبوك يصل ح: 3664] قال الألباني ضعيف].
وأصح منه ما رواه مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ”.[أخرجه مسلم في كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته ح: 1631].
فالحرص الحرص على تربية الأبناء وتنشئتهم على الفضائل والأخلاق التي دعا إليها شرعنا الحكيم؛ لنقيهم وأنفسنا دار الجحيم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
ولننتفع بتربيتهم دنيا وأخرى، يوم نكون بحاجة ماسة إلى إحسانهم وعطفهم وصالح دعائهم.
فاللهم اهدنا واهد أولادنا، وأرنا منهم ما تقر به أعيننا، واجعلهم يارب على طريق الخير سائرين، ونحن وإياهم على ذلك على أن نلقاك يارب العالمين.
وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.



عذراً التعليقات مغلقة