حديث الجمعة الحلقة : (139) دلالات وعبر، من غزوة خيبر.

صوت سوس13 أكتوبر 2017
حديث الجمعة الحلقة : (139) دلالات وعبر، من غزوة خيبر.

بسم الله الرحمن الرحيم.
حديث الجمعة
دلالات وعبر، من غزوة خيبر.
(الحلقة 139)

الحمد لله العليم الحكيم، الهادي من شاء من عباده إلى صراط مستقيم، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الزكي الأمين ذي القلب الرحيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فما زلنا نعيش أيام شهر الله محرم الحرام، والذي ربطناه بمجموعة من القضايا يذكرنا بها الشهر، منها ما هو جائز مشروع، ومنها ما هو مستقبح ممنوع، وقد بينا في الركنين الماضيين بعضا من هذا وذاك.
وفي إطار أيام هذا الشهر نخصص ركن اليوم للحديث عن سيرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- التي سبق وأن قلنا: إن المسلم يجب أن يرجع إليها دائما مستلهما دروسها وعبرها، مستفيدا من حكمها وأحكامها، باعتبارها الأسوة والقدوة الحسنة التي أمرنا باتباعها والاقتداء بها.
أخي القارئ الكريم: غزوة من إحدى غزوات رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وقعت في أواخر المحرم للسنة السابعة من الهجرة، إنها غزوة خيبر، وخيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، تقع على بعد مئة ميل شمال المدينة جهة الشام يسكنها يهود. واليهود ليسوا أصلا من الجزيرة العربية، ولكن استوطنوها لأنهم يقرءون في التوراة أن خاتم الأنبياء وأعظمهم سوف يهاجر إليها، ولكنهم يظنون أنه سوف يبعث فيهم، ولهذا كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا بهذا النبي المنتظر؛ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به! فلما أصبح النبي المنتظر منظورا بأعينهم وأبصارهم، كفرت به قلوبهم وبصائرهم!.
وكان مع النّبي -صلّى الله عليه وسلم- في هذه الغزوة ألف وأربع مائة مقاتل ما بين فارس وراجل. قال ابن هشام: «فلما أشرف النّبي -صلّى الله عليه وسلم- على خيبر قال لأصحابه: قفوا، ثم قال: «اللهُمَّ رَبَّ السَّماوَاتِ، وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبِّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبِّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبِّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أَسْأَلُكُ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا قَدِّمُوا بِسْمِ اللهِ» وَكَانَ يَقُولُهَا لِكُلِّ قَرْيَةٍ يَدْخُلُهَا».
وكان من عادة رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- أنه إذا غزا قوما لم يُغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار، فبات رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- وأقبل، فرآه عمال خيبر وقد خرجوا بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ».
قال ابن سعد: «فوعظ رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- الناس وفرق بينهم الرايات، وابتدأت المعارك بين رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- وأهل خيبر- وقد تحصّنوا بحصونهم- وأخذ المسلمون يفتحونها حصنا حصنا، إلا الحصنين الأخيرين: الوطيح، والسّلالم، فقد حاصرهما رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- بضع عشرة ليلة» حتى أعطى الراية لسيدنا علي بن أبي طالب –رضي الله عنه، فقال عليّ يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا (أي مسلمين)؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. ثم خرج فقاتل، فكان الفتح على يديه.
ولقد كان سبب هذه الغزوة دعوة اليهود إلى الإسلام، ومحاربتهم على كفرهم وعنادهم عن قبول الحق وأحقادهم الدفينة في صدورهم، على الرغم من الدعوة السلمية التي قامت مدة طويلة على الأدلة والبراهين.
ولذلك بات رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- الليلة الأولى من وصوله إلى خيبر دون أن يشعر أحدا بوجوده، أو أن يقاتل أحدا، وانتظر حتى إذا أصبح ولم يسمع أذانا إلى الصلاة- وهي الشعيرة الإسلامية الكبرى- أغار عليهم وقاتلهم على ذلك.
ويزداد هذا السبب وضوحا إذا تأملنا في سؤال علي -رضي الله عنه- لرسول الله -صلّى الله عليه وسلم- بعد أن أعطاه اللواء: «أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ وفي جوابه -صلّى الله عليه وسلم- إذ قال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه». فأذعن اليهود للإسلام، فأسلم فيهم من أسلم أعزة مؤمنين، وبقي فيهم من بقي على الكفر أذلة صاغرين.
ومن هذا نتعلم أن الحروب في الإسلام ليس الهدف منها قتلَ الإنسان وتشريده، أو قتل المدنيين الآمنين، كالحروب التي تشنها الصهيونة والصليبية والصفوية اليوم، وليس الهدف منها هدمَ الاقتصاد والبنيات التحية، كحروب التكنلوجية اليوم؛ بل هدف الإسلام في الحرب هو هداية الإنسان، هو جعل الإنسان يتمتع برضا خالقه، بإدخال الإسلام ومعاملاته إلى قلبه.
أيها القارئ الكريم: من دروس غزوة خيبر: أن امرأة يهودية أهدت إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- ذراع شاه مشوية مسمومة، وأكثرت السم في الذراع عندما علمت أنه -صلى الله عليه وسلم- يحب أكل الذراع، فلما أراد أن يأكل أخبرته الذراع بإذن من الله –تعالى- أنها مسمومة، فاستدعيت المرأة فاعترفت بجريمتها، فقالت: “إن كنت نبيا فسيعصمك الله تعالى، وإن كنت جبارا استرحنا منك بموتك” فعفا عنها صلى الله عليه وسلم.
وبناء عليه فإن غير المسلمين الموجودين في بلاد المسلمين يجب أن يعاملوا هكذا بحسن المعاملة، لا يجوز بحال من الأحوال التعرض لهم بالأذى ما لم يصدر أولا منهم، فمن سماحة الإسلام التأدب مع الكافر المعاهد أيا كان، قال -سبحانه وتعالى-: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ}، {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ}، {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ}، {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ}؛ فكل نبي أخ لقومه في الإنسانية والوطنيبة رغم شركهم وعدم شكرهم.
فاللهم إنا نسألك التوفيق والهداية لسلوك سبيل الاستقامة، والتسنن بسنة المصطفى صاحب الشفاعة، وارزقنا حسن الخاتمة على الطاعة، آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
من المراجع المعتمدة في الموضوع:
– فقه السيرة للدكتور سعيد رمضان البوطي رحمه الله.
– خطبة منبرية بالمناسبة لشيخنا العلامة سيدي الحاج عبد الله بنطاهر شفاه الله وعفاه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة