العمال الزراعيون لا بواكي لهم في عيد الشغل في ظل كورونا

.sawt souss4 مايو 2020
العمال الزراعيون لا بواكي لهم في عيد الشغل في ظل كورونا
عبد الإله تاكري

بقلم : عبد الإله تاكري

يخلد العمال الزراعيون و العاملات الزراعيات في المغرب عيدهم السنوي فاتح ماي هذا العام، كسائر فئات الطبقة العاملة، في ظروف استثنائية، منعت فيها جائحة فيروس كورونا النزول للاحتفال بالعيد الأممي كالمعتاد في الميدان. وقد كانت الطبقة العاملة الزراعية تغطي شوارع بعض المدن بالمسيرات الاحتجاجية، وهي الفاعل الرئيسي المعول عليه لإنجاح التظاهرات النقابية لعيد الشغل بأقاليم عديدة من المغرب، سيما بالجهات الفلاحية كمدينة أكادير بسوس.

يجمع المتتبعون أن أوضاع العاملات والعمال الزراعيون في سوس، التي أرصد من خلالها الظاهرة -على سبيل المثال -جد مزرية. يزيدها صعوبة وقساوة فقدان بعضهم للشغل، بين تسريح نهائي و توقيف، في حين يستمر البعض الآخر في العمل والتنقل في ظروف لا تتوفر فيها شروط الصحة والسلامة في ظل انتشار مرض كورونا.
وباسثناء بعض الشركات الفلاحية القليلة، لايزال العمال الزراعيون يشتغلون في معظم الضيعات الفلاحية في ظروف أقل ما يمكن أن توصف به أنها مجحفة. فتستغل حاجتهم إلى لقمة العيش، وأغلبهم نساء في مقتبل العمر، ليبدأ مسلسل استغلالهم من خلال العمل بطريقة عشوائية أي بدون عقود في كثير من الحالات، و الزج بهم في أعمال شاقة وخطيرة، أو من خلال عقود ملتوية بغية الالتفاف على لائحة طويلة من الحقوق و التعويضات الحاضرة في النصوص الغائبة في قواميس المشغلين، الذين لا يهمهم إلا الأرباح التي يحققونها على حساب آلام ومعاناة العاملات والعمال أمام أعين السلطات الوصية.

كما يعاني العاملات و العمال الزراعيون من ميز وحيف تاريخيين كرسهما القانون على مستوى الأجور وساعات العمل، و من كابوس الفصل 288 من القانون الجنائي الذي يلبس العمال تهمة عرقلة العمل. ناهيك عن التضييق على الحريات النقابية والحرمان من الحق في التنظيم. وهذه كلها مظاهر لحيف كبير تصدح به حناجر العمال و العاملات في شعارات أعياد الشغل بهذه الجهة وعنونت به مذكراتها المطلبية و بياناتها النقابية باستمرار.

1.الحقوق الشغلية مدخل لاحترام كرامة العمال :
على مستوى الأجور و مدة العمل و نوع العقود

-الأجور الفلاحية
إن الأجر الفلاحي يقل بـ 30 في المائة عن الأجر في القطاعات الأخرى على ضآلتهما وهي 1903.72 درهم بالقطاع الفلاحي مقابل 2698.83 درهم شهريا في قطاع التجارة والصناعة و الخدمات. و ذلك بناء على آخر مرسوم منشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 27 يونيو 2019 ،و الذي تمت بموجبه زيادة 10% في الحد الأدنى للأجور بقطاع التجارة والصناعة والخدمات والحد الأدنى للأجور بالقطاع الفلاحي، موزعة إلى نصفين انطلاقا من يوليوز 2019 و يوليوز 2020. وهي الأجرة التي لا تزال الطبقة العاملة تطالب بالرفع منها نظرا لارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.

-بالنسبة لمدة العمل
فقد حدد القانون مدة العمل في القطاع الفلاحي حسب مدونة الشغل في 2496 ساعة في السنة، فيما حدد مدة العمل في القطاعات الأخرى في 2288 ساعة في السنة.
ما يعني أن العامل (ة) الزراعي(ة) يشتغل 208 ساعة في السنة، أي 26 يوما إضافيا في السنة أكثر من زميله في القطاعات الأخرى، وهو الأمر الذي يعتبره العاملات والعمال الزراعيون عملا مجانيا يقدم للباطرونا الزراعية التي تسرقه من عرق جبينهم.

إن المشغلين غالبا ما يلجؤون إلى وسيط في التشغيل من أجل تفادي تدويم العاملات و العمال والارتباط معهم بعقود شغل مباشرة، كما أن معظم الشركات لا تقوم بالتصريح بالعاملات والعمال لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو التصريح بعدد قليل منهم، كما تقوم بالتحايل في عدد الأيام المصرح بها. و كلها إجراءات للتهرب من تطبيق مدونة الشغل وضرب الحقوق المكتسبة بالأقدمية مما يخلق وضع اللاستقرار و يعمق الهشاشة في الشغل بهذا القطاع.

– في مجال السلامة الصحية و نقل العمال
يواصل العمال و العاملات الاشتغال في معظم الضيعات الفلاحية داخل بيوت بلاستيكية بدرجة حرارة تصل أحيانا إلى 50 درجة صيفا وخريفا. كما تطالهم المبيدات والأدوية السامة المستعملة بدون وسائل للوقاية، بالإضافة لحمل الأثقال، وجني الثمار في وضعيات جسدية صعبة طيلة اليوم، والعمل على أسطح غير مستوية، كما يتعرض بعضهم وبعضهن من طرف رؤساء فرق العمل للشتم والإهانة والتهديد بالطرد و التحرش الجنسي.
تسعى بعض الشركات الفلاحية بالمنطقة مؤخرا إلى تحسين ظروف العمل وتوفير حد أدنى من شروط السلامة والصحة في مقرات العمل، وذلك من خلال بناء المرافق الصحية و المطاعم وغرف للسكن في بعض الضيعات و توفير مستلزمات الإسعافات الأولية إلا أن ضيعات فلاحية كثيرة لا تخضع لهذه المعايير؛ حيث تفتقر إضافة إلى ما سبق إلى معدات الحماية من الأخطار المهنية والتقلبات الجوية و لا توفر بذلة العمل، ولا تسهر على استعمال الواقي من المبيدات السامة ومراقبة شروط النظافة، ناهيك عن غياب طب الشغل وإجراء الفحوصات الدورية، وتشكيل لجن حفظ الصحة و السلامة المنصوص عليها في القانون.

– في مجال نقل العمال
يستحضر الرأي العام بحزن شديد الحصيلة الثقيلة لحوادث السير بسوس، الناجمة عن استمرار معظم الضيعات الفلاحية في نقل العمال الزراعيين من وإلى مقرات عملهم على وسائل نقل لا تتوفر فيها شروط الصحة والسلامة، و في ظروف مهينة و لا إنسانية، مكدسين على متن بيكوبات و شاحنات مهترئة وعربات الجرارات معرضين حياتهم للخطر. ارتفعت على إثرها نداءات كثيرة لتوفير وسائل نقل تصون كرامة العاملات والعمال الزراعيين، وتحترم إنسانيتهم. وهو الشيء الذي استجابت له بعض الشركات بتوفيرها لحافلات بشكل مباشر أو عن طريق التعاقد مع شركات نقل خاصة.

2- الحريات النقابية والحركية النضالية :
– في العمل النقابي المنظم
أخذت وتيرة الانخراط في العمل النقابي في صفوف العمال الزراعيين ترتفع منذ سنة 2009، وعرفت أوجها أثناء و بعد حراك 2011 ، فتأسست العديد من المكاتب النقابية التابعة لمختلف المركزيات النقابية في الشركات و الضيعات الفلاحية ومحطات التلفيف .
وكان لهذه الحركة النقابية أثر كبير في تأطير العمال والعاملات في تعريفهم بحقوقهم، فانخرط العمال في الحملات الوطنية و البرامج النضالية التي تسطرها مركزياتهم النقابية التي سارعت في مناسبات كثيرة إلى إيفاد رموزها النقابية إلى المنطقة في أنشطة تواصلية و تعبوية. بالإضافة إلى المشاركة الوازنة للعمال الزراعيين في المهرجانات الخطابية و المسيرات العمالية لفاتح ماي بأكادير و بعض أقاليم الجهة، حيث يشكلون العمود الفقري لهذه التظاهرات السنوية، إلا أن هذه الدينامية النقابية في جانبها التنظيمي أصبحت في تراجع واضح بفعل التضييق الممارس عليها جراء ما يتعرض له الفاعلين النقابيين من طرد و تعسف.

– في مجال الحريات النقابية
أخذت الباطرونا الفلاحية في الآونة الأخيرة تتجرأ على حرية ممارسة العمل النقابي بشكل علني. فقد أصبح الطرد والتضييق و التعسف على الممثلين النقابيين أمرا شبه مألوف في مختلف الشركات الفلاحية بمجرد الإعلان عن تأسيس مكتب نقابي، وذلك لضرب أي محاولة لتنظيم العاملات و العمال أنفسهم في النقابة و المطالبة بحقوقهم المشروعة.
و نتيجة لهذه الأوضاع كلها، أصبحت سوس عموما و على وجه الخصوص بعض الأقاليم كاشتوكة آيت بها بؤرة احتقان كبيرة، تنفجر فيها أوضاع الطبقة العاملة الزراعية في الساحة الإحتجاجية من خلال مسيرات ووقفات احتجاجية أمام إدارات السلطات المحلية و الإقليمية و مندوبيات الشغل، و كذا اعتصامات يستمر بعضها لأسابيع و شهور أمام مقرات الشركات الفلاحية.
وقد اتسمت احتجاجات العمال الزراعيين بوتيرة تصاعدية مع تزايد حالات التسريحات الجماعية للعمال بدون تعويضات، و التأخر في صرف الأجور وطرد أعضاء المكاتب النقابية، فيما يتعايش العمال و العاملات مع بقية الظروف المزرية.

أي دور للسلطات الوصية في فض النزاعات ؟

يعتبر العمال الزراعييون أن تماطل ممثلي الدولة في فض النزاعات الشغلية في القطاع وردع المشغلين الذين يتجاوزون قانون الشغل انحيازا لصالح الباطرونا الزراعية أو وقوف المحايد المتفرج. ويهم الأمر كلا من السلطات المحلية التي ترفض هي الأخرى في معظم الحالات تسليم وصول الإيداع للمكاتب النقابية مرورا بمندوبيات الشغل التي تفتقد قراراتها لسلطة الزجر وصولا إلى اللجن الاقليمية للحوار وفض النزاعات التي تتملص الباطرونا في كثير من الأحيان من تنفيذ التزاماتها.
يطوي النسيان معظم ملفات النزاعات الشغلية، وفي أحسن الأحوال تسفر المفاوضات التي لا تجرى إلا بعد أن يستنزف العمال في معارك احتجاجية طويلة بإقرار تعويضات تصالحية هزيلة. حيث لا يقوى العمال، وهم في حالة فقدان للعمل، على اللجوء للقضاء. فلم يسجل أن توبع أي رب عمل لا يحترم القانون، في حين توبع العديد من العاملات والعمال الزراعيين النقابيين أو المحتجين على ضياع حقوقهم، بتهم ملفقة كعدم احترام رئيس العمل و عدم تنفيذ الأوامر، أو بتهم ثقيلة كعرقلة العمل، بناء على ما يسميه العمال في شعاراتهم بأبشع القوانين الفصل 288 من القانون الجنائي، والذي يطالبون في كل محطة بإسقاطه. وهو الفصل الذي حكم به على بعضهم بالسجن وبالغرامات المالية.

على سبيل الختم :

لا شك أن الأزمة العامة التي تمر منها البلاد في ظل وباء كورونا ترخي بظلالها بشكل جلي على أوضاع الشغيلة في القطاع الفلاحي،كغيرها من القطاعات الحيوية التي فرض عليها الاستمرار في العمل نظرا لخصوصيتها و ارتباطها بالأمن الغذائي. إلا أن هذه الأوضاع ستكون لها تبعات خلال الأشهر المقبلة، ففئة العمال تعتبر من أكبر المتضررين من آثار الحظر الصحي،إذ تواجه من جهة الإجراءات الصارمة للحفاظ على شروط السلامة للحد من انتشار الفيروس، و من جهة أخرى تواجه بعض أرباب العمل الذين يحاولون استغلال ظروف الجائحة للدوس على ما تبقى من حقوقهم، خصوصا أن بعضهم أظهر جشعا في زمن هذه الأزمة، من خلال استبدال العمال الرسميين بالمياومين أو الضغط عليهم لقبول خفض الأجور مقابل عدم التسريح. في حين عبرت مجموعة من الشركات عن روح الثقة والمسؤولية والتضامن من خلال تقديم بعض الإعانات للعمال، بما يتطلبه الظرف من قيم التضامن حتى تجتاز بلادنا هذه المرحلة العصيبة في أقرب الأوقات و بأقل الخسائر بإذن الله.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة