حديث الجمعة الحلقة : ( 200) العام الميلادي الجديد 2019 .

صوت سوس26 ديسمبر 2018
حديث الجمعة الحلقة : ( 200) العام الميلادي الجديد 2019 .

حديث الجمعة

الحلقة (200)

العام الميلادي الجديد 2019

الحمد لله رب العالمين، جامع الناس ليوم لا ريب فيه، نحمده حمدا يليق بكماله، حمدا لا نهاية لعدده، ونشكره على جزيل عطائه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد النبي الأمي عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد :

فيقول ربنا الكريم -عز من قائل سبحانه-: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115، 116]
أيها القراء الأعزاء الأفاضل: كما تعلمون أننا في الأسبوع الأخير من هذا العام، عام ثمان عشرة وألفين للميلاد، فما أسرع تصرم الأيام، وانقضاء الشهور والأعوام، كيف مضى عام بهذه السرعة؟ حيث كنا بالأمس في أول العام، ونحن اليوم في منتهاه، مما يجعلنا نتساءل: هل ذهبت بركة الأوقات فلم نشعر بسرعتها وانقضائها؟. أم أننا قد أدركنا علامة من علامات الساعة، حيث تكون السنة فيها كالشهر؟.
ففي سنن الترمذي وغيره عن سيدنا أنس بن مالك –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونُ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرَمَةِ بِالنَّارِ».

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله كأن سنيننا شهور، وشهورنا أسابيع، وأسابيعنا أيام، وأيامنا ساعات، وساعاتنا دقائق، مما يجعلنا نتساءل مرة أخرى هل مرور الوقت بهذه السرعة لصالح هذا الإنسان؟، وهل ذلك نعمة من نعم الله عليه، حيث وسَّعَ له في الرزق، وعافاه في البدن، وأنعم عليه بالأمن؛ فلم يشعر بمضي الأوقات، ولا بتعاقب الليل والنهار، فيجب أن يشكر ربهم عليها، حيث قال –عليه السلام-: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» [رواه الترمذي].

أم أن الأمر لا يعدو أن يكون استدراجا وتقريبا لهذا الإنسان من يوم لا ريب فيه، مع ما يكون قبله من فتن لا حصر لها ولا عد، نعوذ بالله منها.

قال –عليه السلام- وقد دخل إلى بيت زوجه زينب بنت جحش –رضي الله عنها- وهو فزع: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ» [رواه البخاري في الصحيح].

ومعنى الحديث: أنه لم يبق لمجيء الشر إلا اليسير من الزمن، نسأل الله معافاتاه ومغفرته.

أيها القارئ الكريم: كيف يفرح بسرعة مرور الأيام من يسمع هذا، وكيف له أن يلهو ويلعب وهو ينتظره ما ينتظره من فتن كثيرة في طيها ابتلاءات واختبارات لا يدري هل ينجح فيها أم لا؟، قال –عليه الصلاة والسلام- في حديث آخر: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، يَبِيعُ قَوْمٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ، الْمُتَمَسِّكُ يَوْمَئِذٍ بِدِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ أَوْ قَالَ: عَلَى الشَّوْكِ» [أخرجه الإمام أحمد في المسند].

فهل انقضاء الأعوام يزيد في الأعمار أم ينقصها؟ ما من شك أنه ينقصها، فكلما انقضى عام ابتعدنا عن يوم مولِدِنا، واقتربنا من يوم نهايتنا، فالعمر مجموعة أيام، ومجموعة ليال كلما مضي يوم أو انقضت ليلة نقصت أعمارنا، ونقص رصيد أيامنا من هذا الحياة حتى ينتهي ذلك الرصيد، ثم نغادرَ هذه الدنيا، كم يتمنى المرء تمامَ شهرِه، وهو يعلم أن ذلك نقصان من عُمُرِه؟ كيف يفرح بالدنيا من يومُه يهدِمُ شهْرَه؟ وشهرُه يهدِم سنتَه؟ وسنتُه تهدِم عُمُرَه؟ كيف يفرح من يقودُه عمرُه إلى أجلِه، وتقودُه حياتُه إلى موتِه؟، قال الحسن البصري –رحمه الله-: “يا ابن أدم إنما أنت أيام، كلما مضى منك يوم مضى بعضك”. ورحم الله من قال:

إنـا لنفـرح بالأيـامِ نقـطَعُها *** وكـلُّ يومٍ مضى يُدْني من الأجلِ
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدًا *** فإنما الرِّبح والخسران في العمل.

أيها القارئ الكريم: روي أن الفضيل بن عياضٍ –رحمه الله- قال لرجل: “كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت مُنذ ستين سنة تسير إلى ربك؟ يوشِكُ أن تبلُغ، فقال الرجل: {إِنَّا للهِ وَإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} قال الفضيل: تعلم ما تقول، قال الرجل: قلت: {إِنَّا للهِ وَإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} قال الفضيل تعلم ما تفسيره؟ قال الرجل: فسره لنا يا أبا علي؛ تقول: {إِنَّا للهِ وَإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فمن علِم أنه لله عبد وأنه إليه راجع؛ فليعلم أنه موقوف، ومن علِم أنه موقوف؛ فليعلم أنه مسؤول، فليُعِدَّ للسؤال جوابا، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال:

يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يُغفرْ لكَ ما مضى؛ فإنك إن أسأت فيما بقي، أُخِذتَ بما مضى وما بقي”. [أورده أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (8/ 113)].

فالأعمال بالخواتيم، نسأل الله حسن الخاتمة، وأن يقبض أرواحنا إليه وهو راض عنا، ونحن في عمل من الأعمال التي يحب ربنا سبحانه ويرضى، إنه سميع مجيب.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة