حديث الجمعة
“الإسلام دين سلم وسلام، لا دين عنف وإرهاب”
الحلقة (199)
الحمد لله الذي أمر بصيانة الأنفس وإحيائها، وحذر من انتهاك حرماتها أو الاعتداء عليها، نشهد أنه الله لا إله إلا هو رب الخلق أجمعين، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الرحمة المهداة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الغر الميامين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد :
فيقول الله –تعالى- في محكم تنزيله -وهو أصدق القائلين-: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
يقول المفسرون في معنى هذه الآية: “أي: لا يمنعكم الله من البرّ والإحسان وفعل الخير إلى الذين سالموكم ولم يقاتلوكم في الدين، كالنساء والضعفة منهم، […] ولا يمنعكم أيضا من أن تعدلوا فيما بينكم وبينهم، بأداء مالهم من الحق، كالوفاء لهم بالوعد، وأداء الأمانة، وإيفاء أثمان المشتريات كاملة غير منقوصة، إن الله يحب العادلين، ويرضى عنهم، ويمقت الظالمين ويعاقبهم. [التفسير المنير للزحيلي (28/ 135)].
وعن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- قال: ” مَرَّ النبي –صلى الله عليه وسلم- عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ، فَقَالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ»، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ” [أخرجه الطبراني في الأوسط].
أيها القراء الأفاضل: لا يخفى على كل مسلم ومسلمة ذاق حلاوة هذا الدين وترعرع فيه فكره، وفَهِمَه عقلُه، لا يخفى عليه أن دين الإسلام دين أمن وأمان، وسلم وسلام، لا دين عنف وقتل وإرهاب، وما زال علماؤنا عبر العصور والأزمان، يبينون للناس أن دين الإسلام دين الأمن والسلم والأمان، جاء لحفظ الأنفس وحمايتها، والذب عن حرماتها، والدعوة إلى إحيائها، وتحريم قتلها، كيفما كانت تلك النفس مسلمة أو غير مسلمة، بل حتى ولو كانت نفسا غير آدمية، قال –تعالى-: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].
قال العلامة المفسر ابن كثير –رحمه الله-: “أي: ومن قتل نفسا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعا؛ لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، {وَمَنْ أَحْيَاهَا} أي: حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار؛ ولهذا قال: { فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [تفسير ابن كثير (3/ 92)].
وعن سعيد بن جبير قال: “مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا، وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «مَنْ فَعَلَ هَذَا؟، لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» [رواه مسلم].
فإذا كانت اللعنة تنزل على من حبس طيرا صَبْراً ليقتله بالرمي وغيره، ما بالك بمن حبس امرأة ضعيفة أو شيخا هرما، أو صبيا لا حول لهم ولا قوة ليقتلهم، ألا لعنة الله على من فعل ذلك صَبّاً صَبّاً في الدنيا والآخرة.
أيها المسلمون والمسلمات، أيها القراء الأفاضل والفضليات: حصنوا أنفسكم من كل فكر دخيل على عقيدتكم وديننكم وشيمكم وأخلاقكم، تفقدوا أبناءكم وبناتكم؛ كي لا يكونوا ضحية لأفكار أناس يهدمون هذا الدين باسمه لغرض تشويهه، والدين منهم ومن أفعالهم بريء، إياك -أيها المسلم- أن تبيح لنفسك أو لأحد من أقاربك ترويع الآمنين ولو من غير المسلمين، إياك أن تعتدي على أموالهم وأرواحهم ظنا منك أن الإسلام يأمرك بذلك، كلا وألف كلا، بل الإسلام يأمرك أن تحسن إليهم وتكرمهم وتَبَرَّ بهم، وتُبَيِّنَ لهم رحمة هذا الدين وسماحته، فإنك إن لم تفعل وتعرضت لأحد بسوء دخلت تحت الوعيد الذي جاء به هذا الحديث النبوي الشريف: “عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» [رواه البخاري]. والمعاهد: الذمي من أهل العهد، أي: الأمان والميثاق.
أيها المسلمون والمسلمات، أيها القراء الأفاضل والفضليات: إن طاعة أولي الأمر واجبة بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال –تعالى-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].
وقال –عليه الصلاة والسلام-: «مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» [رواه الإمام أحمد في المسند بسند صحيح].
ومعنى الحديث: أن من طاع ولي الأمر فقد أطاع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ولي الأمر نائبٌ عنه صلى الله عليه وسلم، كما أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يحكم نيابة عن الله تعالى، فطاعة النائب طاعةٌ للأصل، ومن طاعته ألا يخرج الناس عن ما رسم لهم الولي من حدود ومعاهدات، فقد أعطى الأمان لزُوَّار بلده، فلا ينبغي أن يتعرض لهم أحد بسوء، كيف ما كانت أجناسهم وأشكالهم ولغاتهم وديانتهم.
أيها المسلمون والمسلمات، أيها القراء الأفاضل والفضليات: لقد أَمَّنَ الإسلام غير المسلمين في الدولة الإسلامية، أَمَّنَهم على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وجعل ذلك واجبا دينيا قبل أن يكون واجبا قانونيا ودوليا؛ لأن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع آمن، لا اعتداء فيه على أحد، ولم ينظر الإسلام إلى الدين، ولو كان الدين مقابل الأمن، فق أَمَّن الله أهل مكة وهم مشركون، قال –تعالى- ممتنا عليهم: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت: 67].
وقال –سبحانه-: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 3، 4].
فالإسلام يقيم المجتمعات الإنسانية على أسس وطيدة من الأمن والسلم والعدل والبر والرحمة.
فاللهم أدم على هذا البلد نعمة الأمن والأمان، والسلم والسلام، واحفظه من كيد الطائشين الأشرار، وكُلِّ من أراده بشر أو سوء أو مكر يا عزيز يا جبار، اللهم رُدَّ بالمغرر بهم إلى دينهم السمح مَرَدّاً جميلا، إنك سميع الدعاء آمين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



عذراً التعليقات مغلقة