حديث الجمعة
اليوم العالمي لمحاربة العنف ضد النساء
الحلقة (196)
الحمد لله رب العالمين، أكرمنا بدين إسلامي حنيف يحث على مكارم الأخلاق ويدعو إليها، نحمده –سبحانه- وهو أهلٌ لـِأَنْ يُحْمَدَ ويشكر، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خير نبي أرسل، زكاه ربه في أخلاقه كلها فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فيقول الله –تعالى- في محكم تنزيله -وهو أصدق القائلين-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
إخواني القراء الأفاضل: بمناسبة تخليد اليوم العالمي لمحاربة العنف ضد النساء الذي يصادف اليوم الخامس والعشرين من نونبر من كل سنة، ومواكبة للحملة الوطنية التحسيسية السادسة عشرة لوقف العنف ضد النساء: يجدر بنا أن نتساءل هل يمكن أن يعنف المرء المسلم زوجته؟ أو قريبة من أقاربه؟ زوجة كانت أم أما أم أختا أم بنتا؟.
والجواب لا؛ لماذا؟؛ لأن من رضي بالله ربا، وبمحمد –صلى الله عليه وسلم- نبيا، وبالإسلام دينا فاتبع هداه ونوره، لا يمكن أن يفعل هذا؛ لأن ديننا الإسلامي الحنيف أوصى بالمرأة خيرا، ورفع من شأنها وعظم، وأجزل لها العطاء وأكرم، وصانها من كل كيد أو احتقار أو ظلم.
فشريعتنا الإسلامية اهتمت بنظام الأسرة عموما أيّما اهتمام، فأقامت العَلاقةَ بين الأسر على العطف والتراحم والتسامح، لا سيما العلاقة الزوجية، التي حثت على بنائها على مبدأ التراحم والمودة، والسكن والطمأنينة والمحبة، قال –تعالى-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
وحرصاً على استقرار الحياة الزوجية، وحتى لا يظلم الرجل زوجته، وحتى لا تظلمه هي أيضا، بيّن الله –عز وجل- الحقوق والواجبات على كل من الزوجين، وأمرهما برعاية تلك الحقوق والواجبات فقال –تعالى-: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف} [البقرة: 228]. كما أوجب -سبحانه- حسن المعاملة والتغاضيَ عن الأخطاء ما أمكن، فقال –سبحانه-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» [رواه مسلم].
وعليه فإن الرجل تجاه زوجته مطالب بهذه المعاملة الحسنة، فإن تخلى عنها أنتج ذلك صورا قاتمة من الظلم تتضرر بها المرأة والأسرة كلها، وهو ما كثر -مع الأسف- اليوم في مجتمعاتنا وشاع وتعددت صوره، وأذكر بعضا من تلك الصور للتحذير منها حتى لا نقع فيها، أو لتنبيه من يتعامل بها كي يغير سلكه ويتجنب فعلها.
فمن صور ظلم المرأة زوجة أن يسبها زوجها أو يلعنها أو يذلها، وهذا أمر يخالف شرع الله، فالعدل والقول الحسن مطلوب من المسلم تجاه الناس عموما، وأهله خصوصا، قال –تعالى-: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53].
ومن صور ظلم المرأة ضربها بسبب أو بدونه، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ضرب النساء، فقال “عَلَامَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ”.[رواه أحمد].أَيْ: أي باعث على ضربهَا مَعَ أنه يضاجعها ويلاعبها، فالضرب على هَذَا الْوَجْه يَقْتَضِي المنافرة، وَإِنَّمَا الزَّوْجَةُ للمؤانسة. ثم هو مخالف لهدي الإسلام، فالنبي –صلى الله عليه وسلم- كما تروي لنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «ِمَا ضَرَبَ بِيَدِهِ امْرَأَةً لَهُ قَطُّ، وَلَا خَادِمًا لَهُ قَطُّ، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبَعْدَ النَّاسِ، وَمَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ» [رواه النسائي في السنن الكبرى].
ومن صور ظلم المرأة أن يخاطبها زوجها بأقبح الأسماء والصفات، وهو منهي عنه بنص قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “غَيْرَ أَنْ لَا تُقَبِّحَ الْوَجْهَ وَلَا تَضْرِبْ، …». [رواه البيهقي]. أي: لا تقل لأهل بيتك: قبحكِ الله، فالكلام السيئ الجارح أعظم من الضرب.
ومن صور ظلم المرأة حملها على خلاف الشرع، فَيَفرِض عليها الزوج التبرج والسفور والاختلاط بالرجال الذين ليسوا من محارمها.
ومن صور ظلم المرأة أيضا التدخل في مالها الخاص الذي اكتسبته بوظيفة أو إرث أو هبة أو نحو ذلك، فقد يضار بالمرأة في هذا زوجها، وقد يضار بها أبوها، فيشترِط عند العقد أن جميع مالها له، وأنه المتولي عليها، كل هذا ظلم وعدوان، فمالها المكتسب بعملها أ و بهبة أو إرث حق حفظه الشرع لها، فلا يجوز التعدي عليه ولا الأخذ منه إلا بإذنها. قال -صلى الله عليه وسلم-: “لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ “. [رواه البيهقي].
هذه بعض الصور القاتمة من الظلم الذي قد يقع على المرأة الزوجة من طرف بعض الأزواج هداهم الله، ممن لم يتذوقوا هدي الإسلام وأخلاقه الفاضلة التي يدعو إليها ويحث عليها، فلنرجع إلى ديننا الإسلامي الحنيف لمعالجة هذه الصور القاتمة، حتى نسهم بذلك في بناء مجتمع نقي نظيف تصان فيه كرامة المرأة، وتحترم فيه حقوقها.
نسأل الله –تعالى- بمنه وكرمه أن يغفر لنا ما صدر منا من تقصير أو ظلم في حق زوجاتنا، وأن يجزيهن عنا خيرا، وأن يؤدي عنا حقوقهن، وأن يوفقهن لكل خير وعمل صالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.




عذراً التعليقات مغلقة