حديث الجمعة
تذكير المحب بفضل الصلاة على النبي الحبيب
الحلقة (195)
الحمد لله رب العالمين، الباعث الرسل هداية للخلق أجمعين، نحمده
–سبحانه- وهو أهلٌ لـِأَنْ يُحْمَدَ ويشكر، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خير البشر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما هلل مهلل وكبر، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد :
فيقول الله –تعالى- في محكم تنزيله -وهو أصدق القائلين-: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
إخواني القراء الأفاضل: في هذه الآية الكريمة من سورة الأحزاب، بيان تشريف وتعظيم قدر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ أمر -سبحانه وتعالى- بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكة قدسه، وثلث بالصالحين من عباده، أمرٍ فيه تعظيم وتشريف لنبي هذه الأمة إلى قيام الساعة، إنه الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، منقِذ الأمة ومخرجِها من الظلمات إلى النور، وشافعها يوم الحشر والنشور.
والصلاة على النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- من الله رحمة وبركة، ومن الملائكة دعاء، ومن المؤمنين دعاء وتعظيم.
وقد اتفق العلماء على أن الصلاة على رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فرض على كل مسلم ومسلمة، وأقلها في العمر مرة، واعتبرها بعض أهل العلم واجبة في كل حين وجوب السنن المؤكدة، التي لا يسع تركها ولا يُغفلها إلا من لا خير فيه. [تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/398)].
أما فضلها: فقد وردت فيه أحاديث كثيرة، منها ما ورد في سنن أبي داود وابن ماجة والنسائي وغيرها عن سيدنا أوس بن أوس –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ، يَعْنِي بَلِيتَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ».
وفي صحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- قال: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً».
وفيه أيضا عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، كُتِبَ لَهُ بِهَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
وتستحب كثرة الصلاة على النبي –صلى الله عليه وسلم- في يوم الجمعة كما مر، وكذا بعد الآذان والإقامة، وعند سماع ذكر اسمه الشريف صلى الله عليه وسلم؛ لحديث: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» [رواه مسلم].
ولحديث: «الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ». [أخرجه الإمام أحمد في المسند].
وأما صيغتها فإنها تحصل بأي صيغة كانت، وإن كان أفضلُها الصيغةَ الإبراهيمية الواردةَ في الحديث الصحيح، ففي صحيحي البخاري ومسلم من حديث كعب بن عُجْرَة –رضي الله عنه- الذي قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
إخواني القراء الأكارم: إن المتتبع لأحوال العبادات كلها يجد الصلاة على النبي –صلى الله عليه وسلم- حاضرة فيها كلها، ففي التشهد نجد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ففي سنن أبي داود أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: -أَوْ لِغَيْرِهِ- «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ».
كما تكون صلاة على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عند دخول المساجد والخروج منها، فعن فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رضي الله عنها- قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ». [أخرجه الإمام أحمد في المسند].
فنسأل الله –جل وعلا- أن يجعلنا من المكثرين للصلاة عليه، المحبين لجانبه الشريف، المتمسكين بسنته، العاضين عليها بالنواجذ، وأن يختم لنا حياتنا على ملته، إنه –سبحانه- ولي ذلك والقادر عليه.
آمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.




عذراً التعليقات مغلقة