حديث الجمعة الحلقة : (193) أتانا شهر ربيع الأول.

صوت سوس8 نوفمبر 2018
حديث الجمعة الحلقة : (193) أتانا شهر ربيع الأول.

حديث الجمعة

الحلقة (193)

أتانا شهر ربيع الأول:

الحمد لله رب العالمين، بعث نبيه محمدا رسولا هاديا ورحمة للخلق أجمعين، وختم به الرسالات والنبوءات، وجعل أمته من خير الأمم التي أخرجت للناس، نحمدك اللهم بجميع المحامد كلها لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسولك، وصفوتك من خلقك وخليلك، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد :

إخواني القراء الأعزاء: نحن على باب شهر عظيم بقدر الحدث التي وقع فيه، إنه شهر ربيع الأول، الذي ولد في سيد الكائنات نبينا المفضل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وشرف وكرم وعظم، وإنها لنعمة عظمى، ومنّة كبرى أن ولد سيد الكائنات وتربى نقيا تقيا، ورعا زاهدا، عرف بين أهل مكة بالعفة والصدق والأمانة في زمن عزت فيه هذه القيم وتلاشت، وأحكمت الضغائن والأحقاد والمكر والخيانة قبضتها على الأمة وانتشرت، واحتاجت المجتمعات إلى من يطهرها من رجس الوثنية والتغلل في الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأصبح أهل الخير قلة لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة، يشار إليهم بالبنان لقلتهم وندرتهم.

هنا جاء النور المبين الذي أضاء أرض البشرية؛ ليخرجها من ذلك الظلام الدامس التي انتظر العقلاء بفارغ الصبر انجلاءه بصبح يتلألأ نوره ويعم الأرجاء كلها، قال الله الكريم: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16].

قال جمهور المفسرين: “المراد بالنور محمد، وبالكتاب القرآن”. ينظر [التفسير المنير للزحيلي (6/133)].

فلقد بعث الله رسوله سيدنا محمدا –صلى الله عليه وسلم- رحمةً للعالمين، وهداية للناس أجمعين، فأحيا الله -عز وجل- به قلوبًا ميتة، وأسمع به آذانًا صمًا، وأنار به أعينًا عميًا، وجعل رسالته خاتمة خالدة، شاملةً لكل أسود وأبيض، وعربي وعجمي، فبلغ دينُه ما بلغ الليل والنهار، ودخل كل بيت حجر ومدر.

فأعظم وأنِعم وأكرم ببعثة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح غاية النصح، وجاهد في دين الله حق الجهاد، فبين طرق الخير كلها ودعا إليها، وبين طرق الشر كلها وحذر منها.

أيها القارئ الكريم: إن الخير كلَّ الخير في اتباع ما جاء به هذا النور العظيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإن الخير كل الخير في اقتفاءِ آثره وسلوك طريقته، وسبيلُ ذلك معرفةُ هديه وتعلمُ أقواله وأفعاله، وتدارسُ سيرته، فإنها المعين الذي لا ينضُب، والروضة الندية التي لا ينقطع زهرها، فكلما قلّب المرء النظر فيها وأوعى قلبه لها نال من معاني الإيمان واليقين، والبصيرة والهدى ما تستقيم به خطاه، وتطيب به حياته، ويَسْعَدُ به في دنياه وأخراه.

أيها القارئ الكريم: إن مما يجب أن يُقطَفَ من زهور سيرة المصطفى –صلى الله عليه وسلم- زهورَ الأخلاق، التي افتقد مجتمعنا التمتع بطيب أريجها، والاستمتاعَ بنظارة حسنها وجمالها، وهي أخلاق كثيرة وعظيمة، تؤثر في الناس وتأخذ بهم إلى قبول الحق والقول به، قال –صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ». [رواه أبو يعلى والبزار من طرق أحدها حسن جيد].

وأعظم خلق حسن يبدأ به المسلم فيلزم به نفسه التواضع والحياء وخَفض الجناح للخلق أجمعين، فقد كان نبينا –صلى الله عليه وسلم- آية في ذلك، أمره ربه فامتثل وقام بالأمر أحسن قيام، قال –تعالى-: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء: 215].

وذلك لأن التواضع والحياء يتألفان القلوب ويملكهانها بالمحبة، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متواضعاً حييا، خافض الجناح، لين الجانب، إذا جلس بين أصحابه كان كأحدهم، لا يتعالى ولا يترفع عليهم، ولا يعطي لنفسه امتيازاً إلا ما تقتضيه طبيعـة القيـادة من الأمر والنهـي المكلف بها.

فعن سيدنا أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعـوة العبد…». [رواه ابن ماجه].

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخصف نعله ويَخيط ثوبه، ويعملُ في بيته كما يعمل أحدكم في بيته». [رواه أحمد].

وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ» [رواه النسائي والدارمي بإسناد صحيح].
هكذا كان تواضع الرسول – صلى الله عليه وسلم- ! فأين نحن اليوم من هذا الخلق؟.

أما خلق الحياء المتجلي في رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فحدث عن بحره ولا حرج.

فقد كان –صلى الله عليه وسلم- أشد حياء من العذراء في خدرها، فعن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه قال-: «كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ». [رواه البخاري].
ومن حيائه –صلى الله عليه وسلم-: كف الأذى وترك الشتم والسب، وحفظ اللسان عن السوء، فقد ثبت أنه –صلى الله عليه وسلم- كان جالساً فجاء يهود فقالوا: السام عليكم –أي الموت عليكم- فقالت عائشة: وعليكم السام واللعنة! فقال رسول الله: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ» قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ». [رواه البخاري ومسلم].

وعـن أنس –رضي الله عنه- قال: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبَّابًا، وَلاَ فَحَّاشًا، وَلاَ لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ المَعْتَبَةِ: «مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ».[رواه البخاري].
أيها القراء الأعزاء: إن هذه الأخلاق هي التي بلغت بالأمة الإسلامية ما بلغت إليه، وإنها هي التي أوصلتها إلى القمم العالية، حتى كانت في الريادة، وكانت في المقدمة، وكانت القدوة، وإن الأمة إذا حادت عن تلك الريادة اليوم فلترجع إلى أخلاقها يعد لها عزها وكرمها ومجدها؛ لهذا ثبت في الدعاء الصحيح عنه –صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول: «وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» [رواه مسلم].
ونحن بدورنا ندعو بدعاء نبينا سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- فنقول: اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يَدَيك، والشر ليس إليك، نحن بك وإليك، تباركت وتعاليت، نستغفرك ونتوب إليك.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة