حديث الجمعة الحلقة : (189) التحذير من عقوق الوالدين .

صوت سوس12 أكتوبر 2018
حديث الجمعة الحلقة : (189) التحذير من عقوق الوالدين .

بسم الله الرحمن الرحيم

حدبث الجمعة

الحلقة: (189)

التحذير من عقوق الوالدين.

الحمد لله رب العالمين، قضى بالإحسان إلى الوالدين، وحرم عقوقهما على البنات والبنين، نشهد أنه الله لا إله إلا هو يَقُصُّ الحق وهو خير الفاصلين، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله رَحْمَةُ الله للخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيقول ربنا عز من قائل –سبحانه-:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24].

أيها الإخوة القراء الأعزاء: ذات ليلة من ليالي هذا الأسبوع في مكانٍ مَّا، أيقظ صوت مزعج أهل الحي في جوف الليل، صوت نَشَازٌ يسب -عياذا بالله- الملة والدين، ويسب الأقارب والوالدين، ويتلفظ بألفاظ يُسْتَحْيَى من ذكرها وسماعها عند العقلاء وذوي المروءة والأخلاق والدين، فاشرأبت بعض الأعناق من النوافذ لتعرف السبب؛ لعلها تطفئ جِذْوةَ الغضب، فإذا بها تفاجأ بشاب قوي البنية عظيم الجسم، مفتول العضلات، يستعرض قوته على والديه سبا وضربا، والوالدان المسكينان يهدآن من غضبه، ويتوسلان له بالخفض من صوته، حتى لا يظهر منه ذلك الفعل الشنيع، الذي لا يقبله المجتمع المسلم الوديع، المتشبع بقيم النبل والفضيلة، الرافض لأمثال هذه الجرائم القبيحة.

أيها الشاب أيتها الشابة، أيها الكبير والصغير: أين حقوق والديك عليك؟؟.
أين حق الأم التي حملتك في بطنها كرها ووضعتك كرها، وتعبت الليالي وسهرت ونظفت وغسَّلت، وطيبت (من الطيب) وأرضعت وحملت؟، لم تكن لك سن تقطع، ولا يد تبطش، ولا قدم تسعى بها، جُعل لك في بطنها متكآن، واحد عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فالكبد، وأما الذي عن شمالك فالطحال، أطعمتك حليبها الخالص، الدافئ في الشتاء، والبارد في الصيف، ألقى الله محبتك في قلبها وقلب أبيك الذي يسعى في الأرض يبتغي عند الله الرزق ليطعمك، فلا يشبعان حتى تشبع، ولا يرقدان حتى ترقد.

يا هذا أنسيت كل هذا حينما قوي ظهرك، وقويت بنية جسمك؟، فأصبحت تسب والديك، أو تضربُهما -عياذا بالله- أو ترفع صوتك عليهما، أو تنظرُ إليهما نظرة احتقار.

إنه العقوق والظلم الذي يعجل الله العقوبة لصاحبه في الدنيا قبل الآخرة، قال -عليه الصلاة والسلام-: “مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ الْعُقُوبَةَ لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ” رواه الإمام أحمد.

وأيُّ بغي أعظم من بغي الوالدين؟، وأي قطيعة رحم أعظم من قطيعة الوالدين أو عقوقهما؟.

وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر التي تدخل صاحبها النار –عياذا بالله- إن لم يتب منها، قال –عليه الصلاة والسلام-: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلاَثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ- وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ – أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ»، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ أخرجه البخاري ومسلم.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْه” رواه أحمد في مسنده. وقال أيضا: ” ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ الْخَمْرَ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى” رواه النسائي في السنن.

ومن عقوق الوالدين أن يكون الولد سببا في سبهما وشتمهما يقول –عليه الصلاة والسلام:- “«إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ» رواه البخاري.
ومن عقوقهما أيضا قولِ: {أُفٍّ} لهما، وهو صوتٌ يدلُّ على التَّضَجُّر، قال –تعالى-: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23].
فالولد مطالب بأن يستعمل لِينَ الخُلُق معَ الوالدين؛ حتى لا يَسمعا منه قول تأفيف أو تضجر.

ومن عقوقهما أيضا عدم زيارتهما والإحسانِ، وفي ذلك قسوة للقلب وشقاء في الدنيا والآخرة، ومحق للبركة والعمر والعمل والرزق، يقول -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَجَلِهِ، وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». أخرجه ابن حبان.

فلا يطمعَن قاطع في هذا؛ لأنه قطع أعظم رحم له وهما الوالدان.
أيها الآباء والأمهات: علينا نحن أيضا أن نقوم بالأسباب التي تعين أبناءنا على طاعتنا وبرنا، وأن لا نكون قساة القلوب عليهم، أن لا نكلفهم ما لا يطيقون، أن نعدل بينهم في المحبة والإكرام والعطاء، ففي الصحيحين أن النُّعْمَان بن بَشِيرٍ –رضي الله عنهما- قَالَ: “نَحَلَنِي أَبِي نُحْلًا، ثُمَّ أَتَى بِي إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِيُشْهِدَهُ، فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ هَذَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «أَلَيْسَ تُرِيدُ مِنْهُمُ الْبِرَّ مِثْلَ مَا تُرِيدُ مِنْ ذَا؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ…» رواه الشيخان واللفظ لمسلم.

فاللهم وفقنا للإحسان إلى أبنائنا وبناتنا، ووفقهم للإحسان إلينا، طاعة لما جاء به ديننا وشرعنا، واجز اللهم عنا خيرا آباءنا وأمهاتنا، على ما تعبوا تربية وتعليما وتوجيها، اللهم ارحم أمواتهم، واشف مرضاهم، واغفر لنا ولهم، إن كان تقصير منا أو منهم.

آمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة