حديث الجمعة
الحلقة: (185)
دروس وعبر، من هجرة سيد البشر.
الحمد لله رب العالمين، أيد نبيه محمدا بنصر من عنده وبالمؤمنين، نحمده –سبحانه- على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة، ونشكره شكر من أدرك فضل الله عليه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد :
فإن مما يربطه المسلمون بفاتح السنة الهجرية دوما ذكرى هجرة المصطفى –صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، التي كانت نورا لعهد مشرق جديد، وطريقا لإقامة حضارة إنسانية خالدة، ولقد أحسن سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما ربط تاريخنا بهذا الحدث العظيم، لتظل دروسه في حياتنا نستفيد منها وننهل من حكمها.
وإن من أعظم الدروس أن يرسخ المسلم صلته بربه، فيزداد به تعلقا، وعليه توكلا، وله خشوعا وخضوعا، ويعلم أن الله –سبحانه- غالب على أمره، وإذا أراد شيئا أمضاه، قال -تبارك وتعالى-: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].
وذلك مأخوذ من حماية الله -عز وجل- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- لما أجمعت قريش على قتله، وجندت لذلك فرسانها وبذلت لأجله أموالها، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36].
ولما خلص المشركون من أهل مكة إلى مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في غار ثور، قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- لرسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟” [رواه أحمد في المسند].
فلقد كانوا في معية الله تعالى، خرجوا بأمره، وتوكلوا عليه، فكان الله -عز وجل- معهم، يؤيدهم بلطفه، ويرعاهم بعنايته، قال –تعالى-: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
فمن توكل على الله كفاه، ومن استهداه هداه، فالتوكل على الله حصن حصين من البلاء، وهو باب النجاة عند انقطاع الرجاء.
أخي القارئ الكريم: إن دروس الهجرة النبوية كثيرة لا تنقضي، وعديدة لا تنتهي، منها حسن الإعداد، وبذل الأسباب لتحقيق المراد، فلقد اختار رسول الله -صلى الله عليه وسلم -المدينة موضعا لهجرته، وانتقى الزمان والمكان لرحلته، وهيأ الزاد واختار الصاحب لرفقته، وأعد للأمر قبل ذلك عدته، وذلك بأن أرسل إلى المدينة مصعب بن عمير رضي الله عنه، وكان رجلا حكيما يدعو إلى الإسلام، ويحسن التعامل، ويجيد العظة، امتلك قلوب الناس بأوجز العبارات، وأذعنوا له بأبلغ الكلمات، فلم يعنف ولم يهدد، بل كان رفيقا في تعامله ودعوته، فأسفر لهم عن وجه الإسلام المشرق، وبين لهم سماحته ورحمته، وعدله وحكمته، فآمنوا بهذا الدين الحنيف، حتى ملأ الإيمان قلوبهم، وتعلقت بالإسلام أرواحهم، فما من بيت في المدينة إلا دخله الإسلام خلال عام.
وكل ذلك من ثمرات الكلمة الطيبة والدعوة الحكيمة استجابة لنداء القرآن الكريم، في قول الله -عز وجل-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]
وهكذا يجب أن يكون المسلم واجهة مشرفة لدينه وبلده، محسنا إلى الناس أجمعين، مسلمين وغير مسلمين، موقرا كبيرهم، ورحيما بصغيرهم، ومجلا ومقدرا ذا المنزلة فيهم، متخذا للأسباب في كل شيء، غاضا الطرف عنها، مفوضا أمره لله -عز وجل- في كل صغيرة وكبيرة، فهو أعلم بما يصلح لكل عبد من عبيده، وما يفسد كل واحد منهم.
أخي القارئ الكريم: من دروس الهجرة أيضا: اتخاذ الصديق الناصح، فإن الصاحب زاد لصاحبه في السراء والضراء، ولقد اختار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أصحابه خير الأصحاب وأحبهم إليه، إنه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فكان نعم الصاحب الوفي، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخصه بالذكر فيقول: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» [رواه البخاري].
فاختاروا لأنفسكم من الأصحاب من يسركم ذكرهم، وينفعكم عملهم، واحذروا أصحاب السوء، فما ضل كثير من الناس إلا بسوء اختيار الأصحاب، وقد ضرب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مثلا للصاحب الصالح والصاحب الطالح فقال: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» [رواه البخاري].
فالجليس الصالح تفيدك صحبته من حيث نصائُحه وتوجيهاتُه، ودعوتُه لك إلى الابتعاد عن كل ردئ في القول والفعل، عكس الجليس السيء الذي لا يسلك بك إلا طريق المهالك، فاختاروا من الأصحاب الأتقياء الأنقياء وأكرموهم، وتجنبوا الأشرار في صحبتهم وانصحوهم، وذلك بالرجوع إلى الطريق المستقيم.
وفقنا الله جميعا إلى حسن الاقتداء والاتباع، وجعلنا من خيرية هذه الأمة في كل خير يصل إلى الناس، وختم لنا جميعا بالحسنى، وجنبنا طريق العسرى، ووقانا شر الدنيا والأخرى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين .
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.




عذراً التعليقات مغلقة