حديث الجمعة
الحلقة: (183)
الصبر على صروف الدهر ونوائبه.
الحمد لله رب العالمين، أعد جزاء عظيما لعباده الصابرين المحتسبين، فقال -جل جلاله- في محكم كتابه المبين: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].
نحمده –سبحانه- حمد الصابرين، ونشكره شكر الطائعين، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد :
فيقول ربنا -عز من قائل- في محكم التنزيل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [سورة البقرة، الآيات: 155–166-167].
أيها القراء الأفاضل الكرام: العباد في هذه الدنيا معرضون للابتلاء، وأكثرهم ابتلاء المؤمنون الصادقون، مصداقا لقول المصطفى –صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن أشد الناس بلاء فقال-: «الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، وَيُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بالعبد حَتَّى يَدَعَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» [أخرجه ابن حبان في صحيحه].
فطوبى لك أيها المريض الصابر المبتلى في جسده، وطوبى لك أيها الفقير المعدم الذي لم يجد ما ينفق على عياله، وطوبى لك أيها المظلوم في عرضه، وطوبى لك أيها المكلوم في فقد محبوبه، وَالِدَيْه أو ولده أو زوجه، طوبى لكل صابر محتسب مؤمن بقضاء الله وقدره.
فلا اعتراض على رب العباد فيما يريد بالعباد، له الملك وله الحمد، وله الخلق والأمر، بيده الخير وإليه المصير، وهو على كل شيء قدير.
أيها القراء الأعزاء: ما منا من أحد إلا وقد نال حظه قلة أو كثرة من المصائب والابتلاءات، والمعافى إذا أحبه الله قد يتعرض لصروف الدهر والنائبات، فالإنسان يصاب بمصيبة في نفسه أو في أهله أو ماله، فإذا قابل هذه المصائب بالصبر وانتظار الفرج من الله، صارت المصائب تكفيراً لسيئاته، ورفعة في درجاته، قال سيدنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ، فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِه، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» [رواه مسلم].
فهذا الحديث النبوي الشريف وما شابهه من الأحاديث الأخرى يحمل بشرى للمؤمن المحتسب الصابر، فيقوى صبره على كل بلاء، ويؤمن أن الشدائد والمصائب بجميع أنواعها لا بد لها من فرج من عند الله رب الأرض والسماء؛ إذ هو القائل –سبحانه-: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5، 6].
ويؤكد هذا أن النبي –صلى الله عليه وسلم-: “خَرَجَ يَوْمًا مَسْرُورًا فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ وَيَقُولُ: ” لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}” [أخرجه الحاكم في المستدرك].
فإياك أيها المسلم وأيتها المسلمة: أن يستولي اليأس على قلبك، فتقنط من رحمة الله فتكون من الضالين، قال –تعالى-: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56].
أيها القارئ الكريم: هناك فرق كبير بين ابتلاء المؤمن وغيره، فالمؤمن دائم الاتصال برب الأرض والسماء، يصبر على الضراء، ويحمد ربه على السراء، وتلك –لعمري- خصلتان عظيمتان لا توجد في غيره من بني آدام وحواء، ينال بهاتين الخصلتين ما الله عليم به من الأجر والجزاء ، مصداقا لقول الرسول –صلى الله عليه وسلم-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
فاللهم اجعلنا عند البلاء من الصابرين، وعند النعماء من الشاكرين، وبأعلى درجات الجنان فائزين، يا مجيب السائلين، بفضلك وجودك وكرمك يا رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.




عذراً التعليقات مغلقة