حديث الجمعة الحلقة : (182) أيام التشريق بين التحلية والتخلية .

صوت سوس23 أغسطس 2018
حديث الجمعة الحلقة : (182) أيام التشريق بين التحلية والتخلية .

حديث الجمعة

الحلقة: (182)

أيام التشريق بين التحلية والتخلية .

الحمد لله رب العالمين، أمر عباده بذكره في كتابه المبين، فقال –سبحانه- وهو أصدق القائلين، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [سورة الأحزاب الآية: 42]. نحمده –سبحانه- ونشكره على ما من به علينا من إنعام، ونستغفره ونتوب إليه على الدوام، ونصلي ونسلم على سيدنا ونبينا محمد خاتم الرسل الكرام، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يقوم الناس بين يدي الملك العلام.

أما بعد :

فأحبتي القراء الأماجد: تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال في هذه العشر وما بعدها وفي سائر الأيام، ووفقنا جميعا لحسن الختام، هذا فلنعلم أننا في أيام مباركات، سماها القرآن الكريم بالأيام المعدودات، وهي أيام منى؛ سميت بذلك لتواجد الحجاج فيها بمنى لرمي الجمرات، وهي أيام بعد العيد ثلاث.

وهذه الأيام تتحلى بصفات عظيمة في الإسلام، وهذا المقصود من الشق الأول من العنوان، (التحلية)، فهي أيام عيد للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ لحديث: “يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ”[ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد]؛ لذلك نهي عن صيام هذه الأيام.

وهذه الأيام واقعة بعد العشر الفاضلة، وهي -ويوم العيد أمس- أيام أربعة لنحر الهدي والأضاحي؛ تعظيماً لله عز وجل، وهذا مما يزيدها فضلاً.

وهذه الأيام أيام عبادة وذكر وفرح، ففي الموطأ وغيره: أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ أَيَّامَ مِنًى يَطُوفُ يَقُولُ: «إِنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ». [رواه مالك في الموطأ].

أي: هي أيام إظهار الفرح والسرور بنعم الله العظيمة، وفي الحديث إشارة إلى الاستعانة بالأكل والشرب على ذكر الله، وهذا من شكر النعم.
وذكر الله المأمورُ به في الحديث أنواع متعددة، منها: التكبير في هذه الأيام عقب الصلوات، وفي كل وقت، كما هو ظاهر الآية الكريمة:
{وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [سورة البقرة من الآية203].
ويكون ذكر الله أيضا بالتسمية والتكبير عند نحر الهدي والأضاحي، وعند الأكل والشرب، ويكون أيضا بالتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار، وقراءة القرآن ونحو ذلك، فذكر الله واسع مجاله غير محصور.

أيها القراء الكرام: إن قلوبنا تصدأ كما يصدأ الحديد، وتظمأ كما يظمأ الزرع، وتجف كما يجف الضرع؛ فهي بحاجة إلى تجلية ورَيّ، يزيلان عنها الصدأ والظمأ، والمرء في هذه الحياة، محاط بالأعداء من كل جانب: نفسه الأمارة بالسوء، تورده المهالك، وهواه وشيطانه يوقعانه في الفحشاء، فهو بحاجة ماسة إلى ما يحرزه ويؤمنه، ويسكن مخاوفه، ويطمئن قلبه.

وإن من أكثر ما يزيل تلك الأدواء، ويحرز من الأعداء، ذكرَ الله والإكثارَ منه، فهو جِلاء القلوب وصِقَالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها؛ لذلك حث ديننا الإسلامي الحنيف في غير ما نص من نصوصه على أن يتصل المسلم بربه في كل وقت وحين بالذكر ليحيا ضميره، وتزكو نفسه، ويطهر قلبه، ويحفظ من أعدائه: نفسه وهواه وشيطانه، قال -تعالى-: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [سورة البقرة الآية: 152]. وقال –سبحانه-: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [سورة الأنفال الآية: 45]. وقال –سبحانه-:{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الأحزاب الآية: 35]. وقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [سورة الأحزاب الآية: 42] إلى غير ذلك من النصوص القرآنية.

وفي الحديث الصحيح: “كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَن، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ” [رواه البخاري ومسلم].

وفيه أيضا: “أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: “ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى” [رواه البخاري ومسلم].

أيها القراء الأفاضل: هذا –باختصار- عن التحلية التي يجب أن تتحلى بها هذه الأيام، أما التخلية فيجب أن تُخْلَى من عادات سيئة قبيحة، تُرتَكب هنا وهناك في أماكن مختلفة، يظن أصحابها أن لها ارتباطا وعلاقة بهذه الأيام، وما هي من هذه الأيام، بل هذه الأيام بريئة منها براءة الذئب من دم يوسف -عليه السلام- كما يقال.

من ذلك التراشق بالماء، الذي يسمى في بعض المناطق بــ(بُهَيْرُوسْ) والذي عانى منه البعض في بعض المناطق المغربية، ولم يسلم منه في الغالب شاب ولا شابة، ولا كهل ولا شيخ ولا امرأة.

اعتداءٌ على المارة بدون سابق إنذار، قد تتفاجأ بمن يرميك بماء لا تدري أهو طهور أم نجس، يفاجئك به وجسدك لم يتهيأ له، قد يؤثر على صحتك سلبا، فهذه العادة إن وضعناها في ميزان الشرع نجدها محرمة، يجب أن تُخْلَى وتُبعد وتصان عنها هذه الأيام الفاضلة.
والنظر فيها –اختصارا- من أوجه ثلاثة:

أولا : فيها تضييع لنعمة عظيمة، أنعم الله –عز وجل- بها علينا، إنها نعمة الماء التي جعل الله منها كل شيء حي، والماء من النعم المهددة بالاندثار والغور والقلة، قال –تعالى-: {فَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} [سورة الواقعة الآية: 68-70]. وقال –سبحانه-: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [سورة الملك الآية: 30].

ثانيا: فيها اعتداء وترويع للآمنين، وذلك محرم شرعا لا يجوز في ديننا الإسلامي الحنيف، قال –عليه الصلاة والسلام-: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» [ رواه أبو داود والترمذي وأحمد].

ونفي الحل: يعني التحريم، أي: حرام عليك أيها المسلم أن تروع أخاك المسلم.

ثالثا: قد تسبب لأخيك المسلم أمراضا خطيرة بما يصيبه بدنه من بلل لا يتحمله، فالناس ليسوا في الصحة سواء، وقد يكلفه ذلك مالا ينفقه على صحته؛ لمعالجة ما أصابه المرض من جسده، فتكون قد اعتديت على نفسه وماله، وذلك معلوم تحريمه في الشرع الحنيف، قال –عليه الصلاة والسلام-: “كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ” [رواه مسلم].

هذا –باختصار- عما يجب أن تتحلى به هذه الأيام المباركات، وما ينبغي -بل ما يجب- أن تتخلى منه، حري بي وبك -أيها القارئ- أن نلتزمها جميعا؛ لنغنم من خيرها وبركتها وفضلها.

نسأل الله التوفيق لحسن العمل والدوام عليه، إنه ولي ذلك وموفق له آمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة