حديث الجمعة:
الحلقة: (181)
الأيام العشر وأحكام أضحية العيد.
وذكرى ثورة الملك والشعب وعيد الشباب
الحمد لله رب العالمين رب الأرض والسماوات، جعل لعباده مواسم يتقربون إليه فيها بالأعمال الصالحات، نحمد ونشكره على نعمه في جميع الأوقات، ونصلي ونسلم على سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله أفضل الكائنات، وعلى آله وصحابته أولي الفضل والقربات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد :
إخوتي وأحبتي في الله: نحن في الأيام العشر من شهر ذي الحجة، وشهر ذي الحجة نطقت الآيات والأحاديث بفضله، وخَصَّت أيامه الأولى بمزيد فضل وثواب، فأنعم به من شهر عظيم، وأنعم بأيامه ولياليه المباركة، فهو أحد الأشهر المحرمة، وأيامه أفضل أيام الدنيا كما صح عنه -صلى الله عليه وسلم-: “أفضل أيام الدنيا أيام العشر”. [أخرجه البزار ورجاله ثقات].
وقد شرع الله -عز وجل- لعباده في هذه العشر المباركة أعمالا يتقربون بها إليه، منها الصيام، خصوصا يومَ عرفة، فقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم-: أن صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية” [رواه مسلم].
ومنها كثرة ذكر الله -عز وجل- من تكبير وتحميد وتهليل، قال –تعالى-: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] وقال -جل شأنه-: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28].
فالمعدودات: أيام التشريق، والمعلومات: الأيام العشر من ذي الحجة، وقد كان عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه- يكثر في هذه الأيام من قول: الله أكبر الله أكبر لا لإله إلا الله الله أكبرالله أكبر ولله الحمد.
ومما شرع الله -عز وجل- التقرب به إليه في هذه الأيام: أضحية العيد، والأضحية هي النسيكة التي تذبح يوم العاشر من ذي الحجة، وقد شرعت لهذه الأمة تذكيراً لها بتلك النعمة الجليلة التي أنجى الله بها أبانا إسماعيل عليه الصلاة والسلام، كما قصها علينا القرآن الكريم في قول الله –تعالى-: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102].
فكانت هذه الأضحية تذكيراً لهذه الأمة بنعمة جليلة أبقت على وجودها في هذه الأرض، لتحمل رسالة الإسلام، وتكون خير أمة أخرجت للناس.
وإذا كانت أضحية العيد عبادة يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل، فينبغي للمسلم أن يتعلم ما يتعلق بها من أحكام، ومن أحكامها أنها شرعت بكتاب الله، وعلى لسان رسوله، وأجمعت الأمة عليها، يقول ربنا -سبحانه وتعالى-: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 1، 2].
فقد جاء ترتيب النحر أي: الذبح بعد صلاة العيد، وأما من السنة فما رواه أنس بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحى يوم الأضحى بكبشين سمينين أملحين، ذبحهما بيده” والحديث في الصحيحين.
والأملح هو الأبيض الذي يخالطه بعض السواد، أما الإجماع فقد أجمعت الأمة على هذه الأضحية من غير نكير ولا مخالف لها.
ومن أحكام هذه العبادة أنها لا تقبل إلا بشروط أوضحها وبينها نبينا صلى الله عليه وسلم، منها أن تكون الأضحية مسنة، وهي الثَّني من الضأن والمَعْز والبقر والإبل فمن الضأن ما أوفى سنة، ومن المعز ما أوفى سنة ودخل في الثانية، والثَّنِيُّ من البقر ما دخل في السنة الرابعة، والثني من الإبل ما دخل في السنة السادسة، فإذا تعسرت المسنة أجزأت الجذعة من الضأن التي لم تبلغ سنة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: “لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن” [رواه مسلم في الصحيح].
ومن الشروط أيضا أن تكون سليمة من العيوب، قال -صلى الله عليه وسلم- أربع لا تجوز في الأضاحي: «الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» [أخرجه مالك في الموطأ].
والعجفاء التي لا تنقى أي الهزيلة الضعيفة، ولذلك ضحى عليه الصلاة والسلام بكبشين سمينين أملحين كما تفدم في الحديث.
كما لا يجوز للمسلم القادر أن يتخلى عن أضحية العيد، فإن تخلف عنها مع القدرة أثم، قال -صلى الله عليه وسلم- مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا” [رواه ابن ماجه].
ووقت ذبح الأضحية: يبدأ بعد صلاة العيد من اليوم العاشر من ذي الحجة، ويستمر وقته طيلة أيام التشريق الثلاثة لقوله -صلى الله عليه وسلم-:”أيام التشريق كلها ذبح”.
وعلى المسلم أن يذبح بيده إن كان يحسن الذبح، فإن ذلك من السنة، وإلا عليه أن يشهد ذبحها إذا وكل غيره للذبح.
إخواني القراء الأعزاء: مما يصادف هذه العشر المباركات عندنا في مغربنا الحبيب ذكريتان جليلتان يستلهم منهما المغاربة عزهم وافتخارهم، ويبنون منهما مجدهم وعزهم، ويقرؤون منهما تاريخ سلفهم الصالح، وقَصَصَ من تقدمهم من الأمم، وسيرَ آبائهم وأجدادهم ممن تقدمهم، فيتخذون منها مناسبات دوريةً متجددة، وذكريات وطنيةً خالدة، يستحضرون من خلالها صفحات مشرقةً من تاريخهم، ويستعرضون فيها ما قدمه آباؤهم وأجدادهم من ملاحم عظام، وتضحيات جسام.
فأولى الذكريين ذكرى ثورة الملك والشعب التي تحل في العشرين من شهر غشت، هذه الذكرى التي شكلت ملحمة من ملاحم الشعب المغربي والعرش العلوي، فكانت ثورة مباركة في وجه المستعمرين الآثمين، وانتفاضة قوية مسلحة ضد المحتلين الغاشمين، حين بلغ ظلمهم أقصاه، ووصل طغيانهم غايتَه ومنتهاه، بعدما تنكروا لما وعدوا به الشعب المغربي من الجلاء والارتحال، وتمتيعه بالحرية والاستقلال، فأرادوا أن يدوسوا كرامة هذا الشعب تحت أقدامهم، ويضرموا نار الفتنة بين أهله، ويفرقوا بين شماله ووسطه وجنوبه، حتى تستمر هيمنتهم عليه، واحتلالُهم لأراضيه، فامتدت يدهم الأثيمة إلى رمز سيادته، والساهرِ على أمنه واستقراره، جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه ورحمه، وكذا إلى أسرته العلوية الشريفة، فنفوه عن شعبه وبلده، وحالوا بينه وبين عرشه ووطنه، ونصبوا مكانه ملكا مزيفا، وقائدا مصطنعا، ظنا منهم أن المقام سيطيب لهم، وأن الجو سوف يخلو لهم، ليفعلوا بالمغرب والمغاربة ما يحلو لهم، ولكن الظن لا يغني من الحق شيئا، فقد خيب الله سعيهم، ورد مكرهم، فوقف الشعب المغربي وملكُه للظالمين بالمرصاد.
فتحركت الغيرة الدينية والوطنية في نفوس المغاربة الأباة الأحرار، واشتعلت الثورة المسلحة ضد الاحتلال وعملاء الاستعمار، فقام الشعب المغربي من أقصاه إلى أقصاه، وفي سائر مدنه وقراه، يجاهد الغزاة المحتلين، ويقاوم الطغاة المعتدين، ويقضي على العملاء الخائنين، مخلصا في ذلك لربه، متمسكا بثوابته، عاضًا بالنواجذ على سنة سلفه، وفيا بعهده لملكه، مواليا لعرشه، مستسهلا في سبيل تحقيق هدفه كل صعب وعسير، ومسترخصا من أجل ذلك كل غال وثمين.
فاشتعلت نار المقاومة في كل مكان، واندلعت الثورة في وجه الظلم والعدوان، بقيادة جلالة الملك المجاهد محمد الخامس، ورفيقِه في الكفاح ولي عهده آنذاك جلالةِ الملك الحسن الثاني –رحمهما الله- فتكللت الثورة المباركة بعد سنتين بالانتصار والاستقلال، وانتهت بإنهزام الاستعمار واندحار الاحتلال، فتحقق بذلك وعد الله لعباده المؤمنين الصادقين، حيث قال ربنا – سبحانه- في كتابه المبين: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
وثاني الذكريين ذكري عيد الشباب المجيد التي تحل على المغاربة في الحادي والعشرين من هذا الشهر، الذي يصادف ذكرى ميلاد أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، وهي مناسبة وطنية كريمة، وذكرى غالية عزيزة، يُطل من خلالها الشعب المغربي على حياة ملكه، وسيرة قائده، ويستعرض فيها منجزات عاهله الكر يم طيلة هذه السنوات التي قضاها على عرشه العلوي المجيد، ويرى فيها ما تحقق في عهده الزاهر من مشاريع كبرى، ونهضة شاملة عظمى، وإصلاح مس كل الميادين، وعم جميع المجالات والقطاعات، ووصل نفعه إلى سائر مناطق البلاد، في شمالها وجنوِبها، وشرقها وغربها، ومدنها وقراها، وحواضرها وبواديها. فيزداد تشبثا بملكه، والتفافا حوله، ودعاء له، وتفانيا في محبته، ووفاء بميثاق بيعته، امتثالا لقول الله في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].
فاللهم احفظ بلدنا وملكنا وشعبنا، والقائمين على حماية أمننا، وارحم اللهم شهداء وطننا، واجزهم أفضل الجزاء عنا، ووفقنا لنكون على نهجهم في حماية بلدنا، والدفاع عن وحدتنا وإسلامنا، آمين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل




عذراً التعليقات مغلقة