حديث الجمعة:
الحلقة: (179)
ذكرى عيد العرش المجيد:
تأملات شرعية ومقاصدية.
الحمد لله رب العالمين، حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، حمدا لا نهاية لعدده، لك ربنا الحمد على كل نعمك الظاهرة والباطنة، لك الحمد على ما أنعمت وأسديت، وعلى ما وفقت فهديت، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، نستغفرك ونتوب إليك، ونصلي ونسلم على سيدنا ونبينا محمد عبدك ورسولك، ومجتباك وصفيك من خلقك، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن عجلة الزمان تدور لتوصلنا إلى الذكريات التي نحب أن نفخر بذكرها، ونتلذذ بطيب الحديث عنها، ونعتز بالانتماء إلى أمتها وأهلها، وما أحفل تاريخ أمتنا الإسلامية بالذكريات الجليلة، التي ترفع من قيمتها، وتبين مجد وفخر أبنائها.
وهي ذكريات عامة وخاصة، والشعب المغربي واحد من هذه الأمة المسلمة الذي تربط ذكرياته بدينه الإسلامي الحنيف، وما أكثر تلك الذكريات الغالية، وما أرفع قدرها بين أفراد شعبنا المغربي المسلم، وحديث جمعة اليوم يصادف واحدة منها.
إنها ذكرى عيد العرش المجيد الذي يذكرنا بعهد وثيق ومبدأ شرعي أصيل، جاءت به نصوص الشرع الحكيم داعية إلى المحافظة عليه تحقيقا لوحدة الأمة، وحفاظا على أمنها واستقرارها، إنه مبدأ البيعة الشرعية، الذي يجمع بين الراعي والرعية، والذي يعد الوفاء به عبادة وطاعة لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، مصداقا لقول ربنا الكريم سبحانه: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 34].
وقول الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- فيما روي في الصحيح عن سيدنا عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المنــْشَطِ وَالمكْرَهِ، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ». [أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، ح: 7199 ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية ح: 1709].
فعقد البيعة على السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر أهله، دين يدين به المسلمون لربههم، ليس تقليدا ولا تبعية، كما قد يظن ممن لا علم له بقواعد الشريعة الإسلامية؛ بل هو امتداد للبيعة الشرعية النبوية؛ لذلك جاء قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَنُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10].
والآية وإن وردت في سياق خاص عن بيعة الرضوان في صلح الحديبية، إلا أنها تعم كل بيعة شرعية؛ لأنها استمرار للبيعة النبوية.
لذلك حَرَصَ أجدادنا وآباؤنا المغاربة في هذا البلد منذ أن دخله الإسلام وإلى اليوم على تجديد هذه البيعة كل سنة لمن ولاه الله مقاليد حكم هذا البلد من الملوك الأشراف الذين يسوسون ويدبرون شؤون الرعية، ويعملون ليل نهار على حماية ثوابتها الدينية، منذ ذلك الأمد وإلى اليوم في عهد مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ورعاه.
ذلك أن المغاربة يدركون معنى البيعة الشرعية، وفوائد تلاحم الراعي والرعية، ولأن السلطان ظل الله في أرضه، يحمي بيضة الإسلام، ويدفع عن حماها كل مكروه، يقول الماوردي -رحمه الله- معرفا الإمامة والغاية منها وحكمها بقوله: “الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم. [الأحكام السلطانية للماوردي (ص: 15)]
والإمامة والخلافة مصطلحان مترادفان، وإن كان مصطلح الخلاقة أسبق، ومصطلح الإمامة أكثر ما يتردد عند الشيعة، والإمامية منهم خاصة، لكن المعنى يكاد يكون واحدا، وهو: “رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا” كما قال التفتازاني، أو: “هي خلافة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة، يجب اتباعه على كافة الأمة” كما قال عضد الدين الإيجي في شرح المواقف، أو: “هي خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم” كما قال الشيخ رشيد رضا في كتابه الخلافة. [حاشية الأحكام السلطانية للماوردي (ص: 15)]
وقد ناقش الماوردي –رحمه الله- قضية الخلافة هل هي واجبة بالعقل أو بالشرع، وعليه يمكن القول إنها واجبة بهما معا، وإن كنا نتحاكم إلى الشرع أكثر من تحاكمنا إلى العقل.
ومما يدل عقلا أن إقامة خليفة على المسلمين ومبايعته واجبة ما ذكر الماوردي –رحمه الله- إن طباع العقلاء مجبولة على التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين، وهمجا مضاعين، وقد قال الأفوه الأودي، وهو شاعر جاهلي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم *** ولا سراة إذا جهالهم سادوا.
أما في الشرع فقد جاء تفويض الأمور إلى ولي الله في الدين، قال الله -عز وجل-: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]. [الأحكام السلطانية للماوردي (ص: 15- 16)]
فالبيعة طاعة قرنها الله عز وجل بطاعته وطاعة رسوله –صلى الله عليه وسلم- لما فيها من الحفاظ على جمع الكلمة وضمان الاستقرار والطمأنينة، وهو ما ينعم به –والحمدلله- بلدنا المغرب الحبيب، فمنذ قرون وأجيال ومنذ عهد الدولة الإدريسية الشريفة إلى عهد الدولة العلوية المنيفة، ظلت البيعة الشرعية قائمة تحفظ شمل المغرب وكلمته، وووحدته وهويته، وتحقق بناء صرحه وإتمام مشارعه، مما جعل بلدنا قبلة لأنظار العالم في الأمن والاستقرار ووحدة الكلمة في عهد مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله.
وما من شك أن ذكرى عيد العرش التي تخلد في الثلاثين من يوليوز من كل سنة فرصة سانحة تذكرنا بواجبنا تجاه من ولاه الله أمورنا، من طاعته والالتفاف حوله لخدمة الصالح العام، وتدعوننا إلى تذكر واستحضار نعمة الله على بلدنا، ومحافظتنا على أخوتنا، وذاك ما ينبغي لكل مواطن ومواطنة استحضاره في هذه المناسبة العظيمة الغالية.
فاللهم إنا نسألك أن تديم على بلدنا نعمة الأمن والاستقرار، وتحفظنا من الفرقة والتنازع في الأمر والشقاق، وأن تجعل بلدنا بلدا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين في كل الأقطار، وأن تحفظ مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمدا السادس بما حفظت به الذكر الحكيم، وأن ترزقه السداد والتوفيق في كل أمر يقصد به مصلحة شعبه وأمته، كما نسألك اللهم أن تهيأ له البطانة الصالحة التي تأمره بالخير وتعينه عليه، وأن تبعد عنه بطانة السوء التي تأمره بالشر وتحضه عليه، يا قوي يا معين آمين.
وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل




عذراً التعليقات مغلقة