صوت سوس : محمد شقير
تتنوع العطل وتتعدد أشكالها، فهناك العطل المدرسية، والعطل الإدارية، والعطل المهنية… إلى غير ذلك من العطل التي تشكل إجمالا ومضمونا الابتعاد النفسي والبدني عن الأنشطة التي تعود العامل أو الموظف أو المستخدم… على مزاولتها يوميا ومحاولة تكسير الروتين الذي يطبع حياته الوظيفية وما يواكبها من ملل نفسي وتعب بدني وجسماني.
وبالتالي، تشكل العطل نوعا من التحرر الظرفي من وتيرة مؤسسة عادة ما تُقولب الفرد وتخضعه لمنطق اشتغالها وتحوله إلى أداة من أدوات تحركها. فالمؤسسات الاقتصادية، من شركات وأبناك ومحلات تجارية…، تتشابه مع المؤسسات الصناعية، من معامل ومصانع ومقاولات…، وتتقارب مع المؤسسات الإدارية، من إدارات ومكاتب عمومية وشبه عمومية ومدارس وجامعات… في إخضاعها حياة الفرد الشخصية، سواء كان مستخدما أو عاملا أو موظفا، لمنطق اشتغالها وربط سيرورة حياته الفردية بسيرورة ونمط عملها.
وبالتالي، تشكل العطلة، سواء كانت قصيرة أو طويلة، تكسيرا لهذا المنطق الذي يقتطع جزء من حياة الأفراد ويقولبها وفق الوتيرة الزمنية التي تسير عليها المؤسسة. فمقابل الأجر الشهري التي يتقاضاه من هذه المؤسسات، يجبر الفرد على تكييف حياته الشخصية وتوقيت حياته الاجتماعية مع منطق المؤسسة المجرد والصارم.
لكن إذا كان هذا الفرد قد استطاع من خلال ابتكار مجموعة من القوانين (قانون الشغل، قانون الوظيفة العمومية) أن يتمرد على استبداد منطق المؤسسة ويتحرر من استعبادها اليومي له من خلال انتزاع حقه في العطل السنوية أو الإجازات والرخص الإدارية، للاستمتاع الحر بأيام أو أسابيع واسترداد حريته الطبيعية في التحرك بعيدا عن ضوابط نظام المؤسسة الجامد، فهو لم يستطع إلى حد الآن أن يبتكر عطلة تحرره من هيمنة المؤسسة الأسرية أو العائلية.
الحياة الزوجية بكل واجباتها العائلية ومسؤولياتها المتعددة هي قبل كل شيء مؤسسة تنبني على مجموعة من الضوابط والأنظمة، من عقود نكاح وكناش الحالة المدنية ومختلف الالتزامات الأسرية والأعباء التي تنص عليها مدونة الأسرة، إلى جانب نظام توقيت خاص يُفرض على الأزواج المنخرطين في نظام هذه المؤسسة.
ولعل هذا ما يجعل مختلف الأزواج الملزمين بهذا النظام يتقيدون بمجموعة من الضوابط الروتينية والأعباء اليومية التي يتطلبها منطق هذه المؤسسة، بل إن ثقل هذه المؤسسة، وعلى عكس باقي المؤسسات، عادة ما يتم الالتزام به بشكل مؤبد.
فإذا كان بإمكان الفرد، سواء كان عاملا أو موظفا أو مستخدما، التحرر من روتين باقي المؤسسات، سواء كانت اقتصادية أو إدارية…، بحصوله على تقاعده، نسبيا كان أو نهائيا، فالمؤسسة الزوجية لا تخضع لهذا المنطق؛ ذلك أنه إذا كان نظام الزواج يعترف بالطلاق كشكل من أشكال فك الارتباط مع الاحتفاظ بكل الالتزامات والواجبات الناجمة عن هذا الارتباط المؤسسي، فهو لا يعترف بأي نوع من أنواع التقاعد، جزئيا كان أو كليا، كما لا يعترف بأي شكل من أشكال العطل أو الإجازات.
فالزوجة لا يمكن أن تطلب من زوجها منحها عطلة للاستجمام أو أخذ قسط من الراحة للاختلاء بالنفس، كما أن الزوج ليس من حقه عرفيا طلب هذه العطلة للترويح والسفر بعيدا عن البيت إلا بأعذار تتعلق بدوافع أسرية كمرض أحد والديه أو الذهاب لزيارة أحد أقاربه…. ما عدا ذلك، فلا مجال لأي تحرك فردي؛ إذ جرت العادة، خاصة في المدن، أن يخرج الزوجان معا، ويتبضعان معا، وينامان معا، ويأكلان معا، ويسهران على تربية أبنائهما معا، ويتفرجان على التلفاز معا، وقد يجلسان في بعض المقاهي معا جنبا إلى جنب… مما يولد لدى الزوجين مع مرور الوقت إحساسا بثقل المسؤولية وعبء قيود الحياة الزوجية، خاصة لدى الزوج الذي يضطر في أغلب الأحيان إلى تقديم تقرير يومي عن غدوه ورواحه، أو عن أسباب تأخره أو تغيبه، مما يحول المؤسسة الزوجية إلى مؤسسة ثقيلة ومهيمنة؛ الشيء الذي جعل بعض الأزواج المغاربة يطلقون على هذه الوضعية وينعتونها بـ”الداخلية”.
ولعل مما يقوي ضغط هذا العبء هو أنه حتى الخروج إلى العطلة عادة ما يتم بين الأزواج بشكل ثنائي أو جماعي؛ إذ جرى العرف أن يسافر الزوجان بأفراد أسرتهما بشكل جماعي حاملين معهما هموم مشاغلهما العائلية وكذا عاداتهما في التواصل اليومي وطرق تفاعلهما الروتيني، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى شجارات ونزاعات بين الأزواج في عز السفر؛ إذ إن تغيير الأمكنة لا يغني عن عدم تغيير الوجوه.
وبالتالي، فقد حان الأوان للقبول بما يمكن تسميته بالعطلة الزوجية، يسمح فيها للزوج أو الزوجة من وقت إلى آخر بأن تأخذ عطلة خاصة من زوجها أو أولادها، أو أن يمنح الزوج فترة للابتعاد عن بيته وأفراد عائلته لا تهربا من المسؤولية، بل فقط لاستراحة مؤقتة منها، وأن ينعم الزوجان بين الفترة والأخرى بعطلة خاصة يبتعد فيها أحدهما عن الآخر من خلال الاستمتاع بعطلة شخصية يخلو فيها لنفسه، وينظر فيها إلى وجوه أخرى غير وجه زوجته وأبنائه وبناته؛ إذ إن الفرد لم يخلق زوجا، أو أبا، أو أما، أو ابنا، أو ابنة…، بل يعتبر ذلك دورا من الأدوار المتعددة التي يقوم بها المرء في حياته، سواء من خلال عمله المهني أو من خلال أنشطته السياسية أو النقابية أو غيرها.
وبالتالي، فللمحافظة على هذا الدور لا بد بين الفينة والأخرى أن يتحرر المرء من ثقل هذه الوظيفة المضنية، ويغيب أو يسافر، أو يبدل رتابة وعبء حياته الزوجية ويتخفف من ثقل المؤسسة الأسرية من خلال جلسة مع الأصدقاء، أو خرجة مع الأصحاب أو سفرية إلى منطقة معينة، سواء داخل البلاد أو خارجها.
فمن خلال هذه العطلة، يمكن للزوج أو الزوجة أن يجدد نشاطه، وأن يعود إلى البيت أكثر حماسة وشوقا مما سيقوي من متانة العلاقة الزوجية، ويخفف من ضغط التوترات الناجمة عن روتين العشرة وثقل الأعباء العائلية ورتابة الحياة الأسرية.
وهذه العطلة أيضا ستساعد إلى حد كبير في استرجاع الزوج أو الزوجة من حين إلى آخر لكينونته الفردية وشخصيته الخاصة التي غالبا ما تتوارى خلف الوضعية العائلية للزوج أو الزوجة التي تطغى على سلوكهما اليومي وتصرفاتهما المعتادة.
كما أن روتين العشرة الزوجية كثيرا ما يؤدي إلى نوع من الادغام بين شخصية الزوجين؛ إذ يصبح الزوج انعكاسا لشخصية زوجته، وفي المقابل تصبح الزوجة عاكسا لشخصية زوجها، سواء من خلال الإكثار في حديثها عنه إلى معارفها من زميلات وأقارب وأصحاب وصويحبات، أو في تقليد سلوكاته وتصرفاته والتشكي منها.
وبالتالي، فالعطلة الزوجية، رغم أنها غير مدفوعة الأجر، ستكون بلا شك أحسن ترياق للحد من تمادي أو طغيان هذا الادغام الشخصي والحلول العلائقي بين الزوجين.


عذراً التعليقات مغلقة