حديث الجمعة
الحلقة: (161)
{تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها أما}
الحمد لله رب العالمين، أمرنا بالبر والإحسان إلى الوالدين، فقال –سبحانه- وهو أصدق القائلين:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]. نحمده سبحانه على نعمة عناية الإسلام ببر الأبوين وطاعتهما، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد المبين عن ربه حقوق العباد تجاه كل واحد منهما، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما تعاقب الليل والنهار، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القرار.
أما بعد:
فقد تحدثنا في الجمعة الماضية بمناسبة الثامن من شهر مارس اليوم العالمي للمرأة، عن التكريم الإلهي للمرة باعتبارها زوجة، وأن الإسلام أوجب لها من الحقوق مثل ما عليها من الواجبات، ورأينا كيف دعا الإسلام إلى الإحسان إلى الزوجات وحرم الإساءة إليهن، إما بِسَبٍّ أو ضرب أو قدح أو إضرار في نفقة أو مال أو غير ذلك.
وفي ركن اليوم نتحدث –بتوفيق وعون من الله عز وجل- عن عناية الإسلام بالمرأة باعتبارها أما، كيف دعا الإسلام إلى الإحسان إليها وطاعتها وإلى برها والعناية بها؟؛
إذ فضل بر الوالدين عموما عند الله عظيم، ولذلك قال الله الكريم –سبحانه-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} [الأحقاف: 15]. وقال –عز من قائل-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]. لكن فضل بر الأم أعظم عند الله سبحانه؛ نظرا لما عانت الأم وقاست من تعب حمل وألم مخاض ووضع وإرضاع وتربية مما لا يقدر على الصبر عليه الأب.
ولهذا نجد النبي –صلى الله عليه وسلم- قال للصحابي الذي سأله قائلا: “من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ أي من أولى الناس بمعروفي وبري ومصاحبتي المقرونة بلين الجانب وطيب الخلق وحسن المعاشرة؟. فقـال لـه الرسول: أمّك. قال: ثمّ من؟ قال: أمّك. قال: ثمّ من؟ قال: أمّك. قال: ثمّ من؟ قال: أبوك. [رواه البخاري ومسلم].
وعن المقدام بن معدي كرب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب”. [رواه أحمد].
ووصية الإسلام بالأم يعني برها، وبر الأم يعني: إحسان عِشرتها، وتوقيرَها، وخَفض الجناح لها، وطاعتها في غير المعصية، والتماس رضاها في كل أمر، وعدم تفضيل ابن أو زوجة أو أحد عليها في الإكرام والعطاء.
وقد أوجب الإسلام هذا الإكرام والتبجيل للأم حتى ولو كانت على غير دين الإسلام، ففي الحديث الصحيح: “أن أسماء بنت أبى بكر –رضي الله عنهما- سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صلة أمها المشركة وكانت قدمت عليها، فقال لها: «نعم، صِلِي أمك” [رواه البخاري ومسلم].
وبناء عليه فقد ضرب سلفنا الصالح في بر أمهاتهم أروع الأمثلة، فهذا أبو هريرة –رضي الله عنه- كان إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمه، فقال: “السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام يا ولدي ورحمة الله وبركاته. فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيراً. فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً” . وإذا أراد أن يدخل صنع مثل ذلك، [الأثر أورده ابن الجوزي في كتاب: بر الوالدين].
فالمرأة في الإسلام باعتبارها أماً لها مكانة خاصة، ومركز متميز، وشأن جليل الفخر، وفضل عظيم القدر؛ لما انفردت بها عن الأب من آلام في الحمل والوضع، والفطام والحضانة والتمريض والمعالجة، والتنشئة والتوجيه والتربية، ولذلك نوه بها القرآن العظيم وأشاد بمجهوداتها المضنية التي تتطلب نهاية الحنوّ والصبر والْجَلَدِ فقال –تعالى-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]
أيها القارئ الكريم: إن المنزلة التي وصلت إليها الأم في ظل الإسلام أسمى منزلة، وأشرف مكانة، فلنبوأ أمهاتنا ما يستحقن من التكريم والتبجيل؛ وفاء لبعض حقوقهن علينا، وعلى كل زوجة مؤمنة ترجو لقاء ربها أن تُسْعِدَ زوجها في إرضاء أمه وطاعتها، وأن تكون له عونا على ذلك، وأن تصبر على أذى أم زوجها إن صدر منها أذى، ولتعلم هي أيضا أن لها أما تجب عليها طاعتها، وأن لها أولادا تود أن يبروا بها، فالأيام دول، وكما تدين تدان.
قال -عليه الصلاة والسلام-: «الْبِرُّ لَا يَبْلَى، وَالْإِثْمُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُ، فَكُنْ كَمَا شِئْتَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» [أخرجه عبد الرزاق في المصنف، وأورده البهقي في الشعب بلفظ قريب من هذا].
فاللهم ارزقنا بر أمهاتنا وآبائنا عمومما، وأد عنا حقوقهم، وجعل اللهم طاعتهم في رضاك وطاعتك، وبارك في صحة الأحياء منهم، وارحم الأموات الذين سبقونا إلى الدار الآخرة، وألحقنا بهم مسلمين مؤمنين موحدين، غير مبدلين ولا مغيرين، آمين يارب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.




عذراً التعليقات مغلقة