صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل
حديث الجمعة:
الحلقة (153)
التوبة والرجوع إلى الله سبيل خلاص النفوس
الحمد لله رب العالمين، قابل توبة المذنبين، ومحب عباده الأوابين، نحمده سبحانه على سعة رحمته، وواسع كرمه وعفوه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد النبي الأمي عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، وسار على نهجه وطريقه إلى يوم الدين.
أما بعد :
فيقول ربنا الكريم -عز من قائل سبحانه- {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
أخي القارئ الكريم: من طبيعة الإنسان أن يخطئ ويذنب، ويتنكب جادة الصواب، إما بوازع الجهل أو بدافع من النَّفْس الأمارة بالسوء، أو بتحسين الشيطان وجنوده من الجن والإنس له الذنب، فالإنسان لم يُخْلَق مَلَكًا مكرما، ولا بشرًا معصومًا، وإنما هو إنسان تتجاذبه قوى الخير والشر، ودواعي الحق والضلال، تارة تتغلَّب عليه قوى الخير فيَطهُر قلبه وتزكو نفسه، وتارة تتغلَّب عليه قوى الشر، فيَنغمِس قلبه في الذنب ويتلطَّخ بآثامه.
وقد وقع هذا لأبينا الأول آدم -عليه السلام- كما نعلم، فقد خلقه الله –سبحانه- بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، وأمره أن يأكل منها مما يشاء، إلا شجرة واحدة نُهِيَ عن الأكل منها، فخالف وأكل منها بوسوسة الشيطان له؛ مغترا بالنصيحة المقدمة له من إبليس لعنه الله، حيث قال له: {يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} فأكل آدم من الشجرة ظانا صدق إبليس في نصيحته له، فكانت النتيجة أن أهبطه الله إلى الأرض فأسكنه وذريته فيها.
وقد أخذ إبليس على نفسه العهد أن يكيد لذرية آدم من بعده، وهنا يقع الكيد من الشيطان وتزين النفس الأمارة بالسوء الفعل المحرم، فيقع الإنسان الضعيف في الذنب، فما دواء وعلاج من سقط في مستنقع الذنب والرذيلة؟، وكيف يطهر قلبَه مما ران عليه، ويَستأنف الطريق الصحيح إلى الله؟
إن الدواء والعلاج من هذا -أيها القارئ الكريم- يكون بالتوبة والإنابة، والرجوع عن التمادي في المعصية والضلالة، فالعبد مهما أزله الشيطان بالذنوب والمعاصي فإن باب التوبة مفتوح أمامه، يندم ويتوب إلى الله جل وعلا، وهو التواب الرحيم، فهو الله الذي يقبل توبة عبده ويعفو عن السيئات، ويبدلها -سبحانه- حسنات، بعفوه وكرمه وحلمه، فباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، فعن أبي موسَى عبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ الأشْعريِّ -رضي الله عنه- عن النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بالليلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها».
وفي الصحيحين عن أَنسِ بنِ مالكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ، فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ».
فهذه النصوص وغيرها كثير لا تقنط العاصين، بل تفتح لهم باب التوبة مهما عظمت ذنوبهم؛ فإن الله -جل وعلا-لا يتعاظمه شيء، قال -عز من قائل-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية. والثاني: أن يندم على فعلها. والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.
وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها.
نسأل الله -جل وعلا- بأسمائه الحسنى أن يغفر لنا ما سلف من ذنوبنا، وأن يغفر لوالدينا وأساتذتنا وشيوخنا، وأن يستر علينا عيوبنا، وأن لا يفضحنا بين خلقه دنيا وأخرى، وأن يفرج كربنا وأن يجعل ما بقي من أعمارنا في طاعته، وأن يختم لنا على كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، إنه جواد كريم بر رحيم آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.




عذراً التعليقات مغلقة