حديث الجمعة الحلقة: (141) التطيُّر والتّشاؤم

صوت سوس27 أكتوبر 2017
حديث الجمعة الحلقة: (141) التطيُّر والتّشاؤم

 

بسم الله الرحمن الرحيم. حديث الجمعة التطير والتشاؤم (الحلقة 141)

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، ودعا بدعوته، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَالَ: «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ».

إخواني القراء الأعزاء: مِن لوازمِ الإيمان الصّحيحِ والتوحيد الكامِل أن يتجنّبَ المرءُ كلَّ ما يؤثِّر في اعتقادِه، أو ينافي إيمانَه بالله عز وجلّ، ومن ذلك الحذَرُ من الخرافات بجميعِ صُوَرها وأنواعها، ومن جميع الضّلالات بشتى أشكالِها، ومِن تلكم الخرافاتِ التشاؤُم بشهرِ صفَر أو بيومِ الأربعاء أو بغير ذلك من الأيام؛ إذ التشاؤمُ بمثل ذلك وغيره من عقائد الجاهلية الأولى، وقد جاءَت شريعةُ الإسلام بإبطالِ التشاؤم والطيرة، محرِّرةً للعقولَ مِن رقِّ الوثنيّة وضلالات الجاهليّة.

وفي هذا المقامِ نقِف اليوم وقفاتٍ مع هذا الموضوع، موضوع: التطيُّر والتّشاؤم؛ لنبين موقف الإسلام منه، فأوَّل هذه الوقفاتِ أنَّ الطِّيَرة هي التشاؤُم بما يَكرَه الإنسان بشيءٍ مرئيٍّ أو مسموع، فمن أراد حاجةً ما كسفرٍ أو زواجٍ أو نحوه، ثم صدَّه عن حاجتِه مرئيٌّ قبيحٌ رآه، أو كلمةٌ ما سمِعها، أو زمان من الأزمانِ كشهرِ صفَر أو غيرِه، أو مكان ما من الأمكنة، فقد وقَع في الطِّيَرة المنهيِّ عنها في الإسلام.

وثاني الوقفات أنَّ التّشاؤمَ في نظرِ الإسلام من الأوهامِ والسَّخافات والخَيَالات، واجبٌ محاربتُها واجتثاثُها من جذورها وأصلها، قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: “لا عدوَى ولا طِيَرةَ ولا هامةَ ولا صفَر” أخرجه الشيخان، أي: لا تأثيرَ لتلك الأمور بذاتها البتَّة في جلبِ نفع أو دَفع ضرّ.

والطِّيَرةُ من الشركِ المنافي لكمال التوحيدِ الواجب، فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا قال: “الطِّيَرة شرك، الطِّيَرة شركٌ” أخرجه أبو داود والترمذيّ وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي.

أخي المسلم: إنَّ المتشائِمَ والمتطيِّر لا يخلو من حالين:

– أحدهما: أن يُحجِمَ عن حاجته للأمر الذي رآه أو سمِعه، أو لزَمَانٍ أو مكانٍ ظنًّا أن ذلك سببٌ لعدم التوفيق وخوفًا من فسادِ أمرِه وحاجتِه، فهذا من أعظمِ الطّيَرة والتشاؤم الذي يوقع صاحبه في الشرك، فقد روِي عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنه قال: “من ردَّته الطِّيَرةُ عن حاجته فقد أشرك” رواه أحمد.

– الثانية مِن الأحوال: أن يمضيَ في حاجته لكن يكون في قلقٍ وهمٍّ، يخشى من كونِ هذا المتشاءَم به سببًا لفسادِ حاجَته، فهذا محرَّم أيضًا؛ لأنه نَقص في التوحيد والاعتمادِ على الله جلّ وعلا.

أخي المسلم: ثالث الوقفات: أن مَن وقَع في قلبه شيءٌ مِنَ الطِّيَرة فالواجبُ عليه الحذَرُ من ذلك، ودفعُه والتوكُّل على الله -جلّ وعلا- والاعتماد عليه، فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: “ومَا مِنَّا إلاّ، ولكنّ الله يُذهِبه بالتوكّل”. أي: وما منا أحد إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك، ثمّ على من وقَع في قلبه شيءٌ من ذلك فليلجأ إلى الله -جل وعلا- بالتوكل، ويدعوَ بما ورَد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو داود بسندٍ صحيح عن عروة بن عامر -رضي الله عنه- قال: ذكِرَت الطيرةُ عند رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال: “أحسنُها الفأل، ولا تردُّ مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكرَه فليقل: اللّهمّ لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئاتِ إلا أنت، ولا حولَ ولا قوّة إلا بك”، وورد أيضًا: “اللّهمّ لا خيرَ إلا خيرُك، ولا طَيرَ إلاّ طيرك، ولا إلهَ غيرك”.

فمن توكَّل على اللهِ ووثِق به بحيث علَّق قلبَه بالله -جل وعلا- خوفًا ورجاء وقطعَه عن الالتفاتِ إلى هذه الأمور وقال ما أمِرَ من الأدعيَةِ ومَضى في حاجتِه فإنَّ ذلك لا يضرُّه بإذنِ الله تعالى.

أخي المسلم: الوقفة الأخيرة: من هذه الوقفات في هذا الموضوعِ ما ورَد في الصحيحين عنه –صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: “لا عدوَى ولا طيَرةَ، ويُعجِبني الفأل”، فسئِل: ما الفأل؟ فقال: “الكَلِمةُ الحسنة”. [رواه الإمام أحمد].

فالفألُ هو كلُّ ما ينشِّط ويحفز على المضي إلى حاجة الإنسان من الأقوالِ والأفعال الحسَنَة الطيّبة، مع عدَمِ السكون إلى هذه الأمور، بل إلى خالقِها ومسبِّبها وهو الله جلّ وعلا.

قال بعض أهلِ العلم: وإنما كانَ يُعجِبه –صلى الله عليه وسلم- الفألُ؛ لأنّ التشاؤمَ سوءُ ظنٍّ بالله جل وعلا، والتفاؤل حُسنُ ظنٍّ به عزّ وجلّ، والمسلم مأمور بحسنِ الظنِّ بالله -جل وعلا- في كلِّ الأحوال. فالفألُ يزيد الإنسانَ نشاطًا وإقدامًا فيما توجَّه إليه، فينشرِحُ بذلك صدرُه، ويأنَس قلبه، ويذهب الضيقُ الذي يوحيه الشيطانُ في قلبه. روَى الترمذيّ وصحّحه عن أنسٍ -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ –صلى الله عليه وسلم- كان يعجبه إذا خرَج لحاجةٍ أن يسمَع: يَا رَاشِدُ، يَا نَجِيحُ.

نسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا لما فيه خيرنا وسعادتنا، عاجلا وآجلا، دنيا وأخرى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس: الدكتور/ أحمد بن محمد فاضل

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة