بسم الله الرحمن الرحيم
حديث الجمعة
الحلقة: (122)
(دخلت العشر الأواخر من رمضان فهل من مشمر لها)
الحمد لله المتفرد بالبقاء، رب الأرض والسماء، الفعال لما يشاء، نحمده حمد الصالحين من عباده، ونشكره على نعمة التوفيق لطاعته، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد؛
فيقول الله -عز وجل- في محكم كتابه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
إخوة الإيمان والإسلام، أحبابنا الكرام: لنتأمل في أيامنا وسرعة انقضاءها، فبالأمس استهل علينا هذا الشهر المبارك بخيراته وبركاته، بعشره الأولى، ثم بعشره الثانية، ونحن الآن في عشره الأخيرة، فلنغتنم بقيته في مزيد الأعمال الصالحة، ولنختمه بخير عمل، فإنه شاهد لنا عند الله –تعالى- أو شاهد علينا بما أودعناه. إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
إخواني القراء الأعزاء: إننا الآن في العشر الأواخر الغراء، التي هي أفضل أيام شهر رمضان المبارك، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخصها بخصائص دون غيرها؛ لعلمه بفضلها وشرفها، فقد كان -عليه الصلاة والسلام- في أول الشهر يصلي وينام من الليل، فإذا دخلت هذه العشر المباركة شمر وشد المئزر وأيقظ أهله، وأحيى ليله، وذلك بطول التهجد والقيام، فعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» [رواه البخاري].
وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم يقتدون به –صلى الله عليه وسلم– في ذلك، فكانوا يخصون هذه العشرَ بزيادة في قيام الليل، كانوا يقومون أول الليل بالتراويح، ثم يقومون آخره بالتهجد، وكانوا يطيلون الصلاة بتطويل القيام والركوع والسجود؛ اقتداءً بنبيهم صلى الله عليه وسلم.
فليكن لنا في رسول الله وصحابته أسوة، لنسر على آثارهم، لعلنا أن نلحق بهم، فهذه العشر هي ليالي التهجد، وطولِ القيام وإحياء الليل، وليس بشرط أن يحي المسلم الليل كله فلا ينام، بل يصلي أول الليل بالتراويح، ثم يستريح بأخذ قسط من النوم، ثم يقوم في آخر الليل مع المسلمين في المسجد؛ ليحظى بفضل قيام هذه الليالي المباركة، ليجد ثواب ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة، قال –تعالى-: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُون} [الأعراف: 8 – 9].
أيها القراء الكرام: من فضائل العشر الأواخر من رمضان، أنها هي الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر؛ لأنها في هذه العشر آكد وأوكد، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحراها في هذه الليالي ويحث على تحريها، ومن أجل ذلك كان يعتكف العشر الأواخر فيجلس في المسجد ليله ونهاره، يخلو بربه عابدا وتاليا للقرآن ومصليا وذاكرا في معتكفه؛ تحرياً لهذه الليلة المباركة، التي قال الله -جل وعلا- منوها بشأنها: {بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [سورة القدر].
فليلة القدر ليلة عظيمة من وفق لها ووافقها وقامها إيماناً واحتساباً كتب الله له عمل ألف شهر، بل هي خير من ألف شهر تنضاف إلى حسنات العبد، وألف شهر ثلاثة وثمانون عاماً وثلاثة أشهر.
فيا لها من ليلة ذات قدر عظيم عند الله سبحانه وتعالى، فلا تَفُتْ علينا بالغفلة والكسل والخمول؛ لنتحرها في هذه العشر، نقوم مع المسلمين ونقوم مع الإمام حتى ينصرف قال -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [رواه البخاري].
أيها القارئ العزيز: يستحب مع الصلاة والذكر وقراءة القرآن في ليلة القدر الإكثار من الدعاء، فقد ورد عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: “قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي”. [رواه الترمذي].
فالعفو اسم من أسماء الله تعالى، وهو المتجاوِز عن سيئات عباده، الماحي لآثارها عنهم، وهو يحب العفو ويحب أن يعفو عن عباده. قال يحي بن معاذ: {لو لم يكن العفو أحبَّ الأشياء إليه لم يبتل بالذنب أكرمَ الناس عليه} يشير إلى أنه ابتلى كثيرا من أوليائه وأحبابه بشيء من الذنوب ليعاملهم بالعفو، فإنه سبحانه يحب العفو، وفي الحديث القدسي الصحيح: {يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي}. [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح].
فاللهم ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا من المحرزين على ثواب هذه العشر المباركة آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.
حديث الجمعة الحلقة: (122) دخلت العشر الأواخر من رمضان فهل من مشمر لها
صوت سوس15 يونيو 2017




عذراً التعليقات مغلقة