حديث الجمعة الحلقة : (122) رمضان شهر السكينة والوقار، لا الشهر السباب والشجار

صوت سوس8 يونيو 2017
حديث الجمعة الحلقة : (122) رمضان شهر السكينة والوقار، لا الشهر السباب والشجار

بسم الله الرحمن الرحيم
حديث الجمعة
الحلقة: (122)
(رمضان شهر السكينة والوقار، لا الشهر السباب والشجار)
الحمد العفو الحليم، البر الرؤوف الرحيم، القائل في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].
ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خير ولد عدنان، أفضل من عامل الناس بالأخلاق الحسان، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فنحن في أواسط شهر رمضان، عشر المغفرة من الرب المنان، ونحن نعيش هذه الأيام المباركة يجمل بنا أن نذكر أنفسنا من جديد أننا نعيش شهر التربية وتزكية النفوس وإبعادها عن الفجور، والسمو بها عن الرذائل وخنا القول والشرور، فشهر رمضان مدرسة للتربية والتعليم، والتقويم لما اعوج من سلوك، نتعلم منها الصدق في الأقوال والأفعال، وغض البصر عن ما حرم الله من سوء الخصال، ونتعلم منها العفو والصفح عن الناس.
روى البخاري ومسلم أخرج بسندهما إلى أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ” «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ».
ولو عمل الناس بدروس التربية التي يتلقونها من شهر رمضان، لما رأينا هذه النزاعات والخصومات التي تتكرر على مرآنا ومسامعنا في كل الأحيان، فلا تكاد شوارعنا وأسواقنا ومجامعنا تخلو كل يوم من نزاع وسب وشتم بين بعض الناس.
فيا ترى ما الذي حل بالأمة الإسلامية في شهر الصيام، حيث تكثر فيه النزاعات والخصومات، وضيق النفس وقلة الصبر على امكاره والآفات، هل هذا حاصل بسبب الصيام؟ كلا وألف كلا، بل صيام رمضان يدعونا إلى التحلي بأحسن الأخلاق قولا وفعلا، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رواه البخاري.
لَكِنَّ الكثيرين من الناس ما فقهوا أسرار الصيام، ولم ينتفعوا بشهر رمضان، ولم يستفيدوا بما فيه من صيام وقيام، جعله الله للقلب والروح، فجعلوه للبطن والمعدة، جعله الله للحلم والصبر، فجعلوه للغضب والطيش، جعله الله للسكينة والوقار، فجعلوه شهر السباب والشجار، جعله الله ليغيروا فيه من صفات أنفسهم، فما غيروا إلا مواعيد أكلهم. والأمر لله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إنه ليحز في النفوس أن تسمع في شهر رمضان وغيره سبَّ الوالدين والدِّين، وأحيانا والعياذ بالله تسمع سبا لرب العالمين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ونعوذ به من سخطه، وقد قال –تعالى-: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون} [الأنعام: 108].
وقال –صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ» رواه البخاري.
وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
وقد يقول قائل: إنما هو دفاع عن النفس، والسن بالسن والبادئ أظلم، فنقول لها وأين نحن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدوتِنا وأسوتنا، الذي كان يعفو ويصفح رغم كونه مظلوما، فقد روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنه غزا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- قِبَل نجـد، فلما قَفَلَ رسول الله قفل معهـم، فأدركتهم القائلة –أي: نوم القيلولة ظهراً- في واد كثير العِضَاهِ –الشجر- فنزل رسول الله وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله تحت سَمُرَةٍ –نوع من الشجر- فعلق بها سيفـه، ونِمنا نومة؛ فإذا رسول الله يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: “إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صَلْتاً -أي جاهزاً للضرب- فقال: من يمنعك مني؟ قلت: “الله، ثلاثاً ” ولم يعاقبه وجلس” وفي رواية الإمام أحمد: “فسقط من يده فأخذ رسول الله السيف، فقال للأعرابي “من يمنعك مني؟” فقال: كن خير آخذ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟” قال: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى الرجل أصحابه فقال لهـم: جئتكم من عند خير الناس” فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعفو عن الرجل وهو قادر على قتله، ليعلمنا أن أفضل العفو ما كان عند المقدرة. ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يغفل في هذه اللحظة الحرجـة عن القيـام بواجب الدعوة، واستغلال الموقف لصالح الرسالة التي يحملها، فيقول للرجل: “تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟”. ثم ينادي أصحابه ليعطيهم درساً عملياً في فضائل الأخلاق لا ينسونه أبداً يتعلمون منه الشجـاعة مع الحلم والعفو عند المقدرة..!
وروى البخاري وأحمد عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كنت أمشي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليه برد نجراني –نوع من اللباس- غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء”. إنها أخلاق نبي الإسـلام ورحمـة هذا الدين! وكم في ضحـكـة الرسول في وجـه الأعرابي الجاهل من معنى يفهمـه أهل الذوق الرفيـع!.
فما أحوجنا ونحن في شهر الصيام أن نتعامل بهذه الأخلاق، ونبرز للناس محاسن الصيام، اقتداء بهدي الإسلام.
فاللهم وفقنا لخير الأخلاق واهدنا لأحسنها يا رحيم يا رحمان، واجعلنا ممن تجاوزت عنهم وقبلت توبتهم وأعتقت رقابهم من النيران، آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة