بسم الله الرحمن الرحيم
حديث الجمعة
الحلقة: (121)
(رمضان شهر القرآن)
الحمد لله رب العالمين القائل في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] نحمده سبحانه على ما يسر لنا من أعمال صالحة نتقرب بها إليه في شهر القرآن، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خير ولد عدنان، أفضل من صام وقام، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فإنه لا يخفى على القارئ الكريم المسلم أننا نعيش شهر رمضان، وشهر رمضان شهر تنزل القرآن، وأي نعمة أعظم من نعمة نزول القرآن؟ نعمة لا يسعها حمد البشر، فحمد الله نفسه عليها فقال –سبحانه-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} إنها منة الله على الإنسانية في هذه الأرض، المنة التي ولد الإنسان معها ميلاداً جديداً ونشأ بها نشأة جديدة.
إنها المنة التي انتشلت البشرية من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، ومن ظلمات الشرك والعدوان إلى توحيد الملك العلام، وهو العاصم والْمُخْرِجُ من الفتن التي ستكثر في آخر الزمان.
جاء في سنن الترمذي وغيره من حديث علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: أَلاَ إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ. فَقُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”.
هكذا إذن القرآن، وهذه أوصاف القرآن، وشهر رمضان شهر نزول القرآن، فينبغي للمسلم أن يقف مع القرآن وقفات تأمل وتدبر وختم في شهر القرآن، اقتداء برسول الله –صلى الله عليه وسلم- الذي كان يتدارس القرآن مع جبريل في رمضان.
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: “كان رسول الله -صلى اللهم عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى اللهم عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة”.
قال ابن رجب: دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له. وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان.
ولقد كان للسلف الصالح -رحمهم الله- اجتهاد عجيب مع قراءة القرآن في رمضان، بل لم يكونوا يشتغلون فيه بغيره، فقد كان الزهري إذا دخل رمضان يقول: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام. وكان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن. وكان لهم مجاهدات من كثرة الختمات.
ودافعهم إلى هذا ما جاء في الحديث الصحيح: مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ {ألم} حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ”.
وهذا في غير رمضان، أما في رمضان فإن الحسنة تعظم وتكبر؛ لأنه شهر الخيرات والبركات، وفيه يجتمع الصوم والقرآن، فتدرك المؤمن الصادق شفاعتان، يشفع له القرآن لقيامه، ويشفع له الصيام لصيامه.
قال -صلى الله عليه وسلم-: “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان” [رواه الإمام أحمد].
فاللهم وفقنا لختم القرآن في شهر القرآن، واعتق رقابنا في هذا الشهر من النيران، واجعلنا ممن تقبلت منهم صالح الأعمال، وتجاوزت عنهم سيئها يا رحمان. آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.
حديث الجمعة الحلقة : (121) رمضان شهر القرآن
صوت سوس2 يونيو 2017




عذراً التعليقات مغلقة