حديث الجمعة
الحلقة: (119)
{حكم البيع عند النداء ليوم الجمعة}
الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، نحمده –عز وجل- وبه نستعين، ونشهد أنه الله لا إله إلا الله رب الخلائق أجمعين، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الهادي بإذن ربه إلى الحق المبين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فرجوعا إلى موضوع المعاملات الذي نُطِلُّ من خلاله على أنواع البيوع المحظورة والممنوعة في الإسلام.
فبعد حديثنا عن بيع المسلم على أخيه المسلم، وبيع النَّجْشِ، وبيع المضغوط، وبيع الغرر، وبيع المصراة، وحكم الإسلام في ذلك كله.
نذكر اليوم نوعا آخر جديدا من أنواع البيوع المنهي عنها في شريعتنا الإسلامية الغراء، وهو البيع عند النداء الأخير للجمعة.
البيع عند النداء لصلاة الجمعة حرام على من كان مخاطبا بفرض الجمعة، أما من لا يجب عليه حضور الجمعة فلا ينهى عن البيع والشراء.
والأصل في النهي عنه وتحريمِه قول الله –تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 9، 10]
قال ابن العربي (ت543هـ) –رحمه الله-: “{وَذَرُوا الْبَيْعَ} وهذا مجمع على العمل به، ولا خلاف في تحريم البيع.
واختلف العلماء إذا وقع؛ ففي المدونة يفسخ، وقال المغيرة: يفسخ ما لم يفت، وقاله ابن القاسم في الواضحة، وأشهب، وقال في المجموعة: البيع ماض. وقال ابن الماجشون: يفسخ بيع من جرت عادته به.
وقال الشافعي: لا يفسخ بكل حال. وأبو حنيفة يقول بالفسخ في تفصيل قريب من المالكية.
وقد بينا توجيه ذلك في الفقه، وحققنا أن الصحيح فسخه بكل حال؛ لقوله -عليه السلام- في الصحيح: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [رواه البخاري ومسلم].
ثم قال –رحمه الله-: “فإن كان نكاحا فقال ابن القاسم في العتبية: لا يفسخ. قال علماؤنا: لأنه نادر، ويقرب هذا من قول ابن الماجشون: يفسخ بيع من جرت عادته بالبيع. وقالوا: إن الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ.
والصحيح فسخ الجميع؛ لأن البيع إنما منع للاشتغال به، فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا” [أحكام القرآن لابن العربي (4/249 – 250).].
وقال القرطبي (ت671هـ) –رحمه الله-: “قوله –تعالى-: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} منع الله -عز وجل- منه عند صلاة الجمعة، وحرمه في وقتها على من كان مخاطبا بفرضها، والبيع لا يخلو عن شراء، فاكتفى بذكر أحدهما […] وخص البيع؛ لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق. ومن لا يجب عليه حضور الجمعة فلا ينهى عن البيع والشراء.
وفي وقت التحريم قولان: إنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها، قاله الضحاك والحسن وعطاء.
الثاني: من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة، قاله الشافعي.
ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نودي للصلاة، ويفسخ عنده ما وقع من ذلك من البيع في ذلك الوقت. ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق وغيره؛ إذ ليس من عادة الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع. قالوا: وكذلك الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ…” [تفسير القرطبي (18/107 – 108).].
وفي البيان والتحصيل لابن رشد الجد (ت520هــ) –رحمه الله- قال: “مسألة وسئل مالك عن أي النداء يمنع فيه الناس البيع يوم الجمعة؟.
قال النداء الذي ينادى به والإمام جالس على المنبر، فإذا أذن تلك الساعة رفعت الأسواق فلم يبع فيه عبد ولا غيره.
وأما في غير الأسواق فجائز للعبيد والنساء والمسافرين وأهل السجون والمرضى أن يتبايعوا فيما بينهم، فإن باع منهم من لا تجب عليه الجمعة ممن تجب عليه فسخ بيعه، كما يفسخ بيع من تجب عليه ممن لا تجب عليه ما كانت السلعة قائمة، فإن فاتت مضت بالثمن.
وقيل: إنها ترد إلى القيمة وقت البيع. وقيل: بعد أن تحل الصلاة. وقيل: إن البيع لا يفسخ وإن كانت السلعة قائمة، وقد باء المتبايعان بالإثم، ويتصدق البائع بالربح، وقيل ليس ذلك عليه [البيان والتحصيل (1/ 272 – 273)].
قال المازري (ت536هـ) –رحمه الله- في شرح التلقين: “وسبب الاختلاف في فسخه أنّ هذا بيع نهى الله –تعالى- عنه. فإن قلنا: إنّ النّهي لا يدلّ على فساد المنهيّ عنه، لم يجب الفسخ على ظاهر ما في المجموعة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعي. وكذلك إن قلنا: إنّ النّهي يدلّ على الفساد إذا تعلّق بالذّات المنهيّ عنها أو بخاصّيّة من خواصّها اللاّزمة لها، وأمّا إن تعلّق بأمر خارج عن هذين، فإنّه لا يجب الفسخ، فإنّ مقتضى هذا المذهب لا يفسخ البيع المعقود بعد النّداء لصلاة الجمعة، لكون هذا النّهي نهيًا عن مباشرة الفعل لا يعود إلى نفس المبيع أو خاصيّة من خواصّه وصفة لازمة له. وإن قلنا: إنّ النّهي يدلّ على الفساد، قولًا مطلقًا، اقتضى هذا فسخ العقد.
وقد بيّنّا هذا أيضًا على اعتبار هذا النّهي، هل هو لحقّ الله سبحانه؛ لئلا يشتغل عن الصّلاة المفروضة فيفسخ البيع. أو هو لحقّ الخلق لئلاّ ينفرد من لم يحضر الصّلاة بالأرباح دون عامّة النّاس، كما نَهى عن تلقّي الرّكبان مصلحة لعامّة النّاس، فلا يفسخ هذا البيع، كما لا يفسخ بيع المصرّاة لمّا كان النّهي عن التّصرية راجعًا لحق الخلق [شرح التلقين (2/451 – 460)].
فنسأل الله –عز وجل- أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا لخير العمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.
حديث الجمعة الحلقة : (119) حكم البيع عند النداء ليوم الجمعة
صوت سوس19 مايو 2017



عذراً التعليقات مغلقة