خلال مناقشة مشروع التقرير الخاص بالنزاع حول الصحراء من لدن مجلس الأمن، تم تأجيل المصادقة عليه أكثر من مرة بسبب تباين وجهات النظر حول الصيغة الأولية؛ إذ انقسمت الدول ما بين داعم ورافض للمشروع الذي أعدته أمريكا. ويمثل الاتجاه الأول أبرز حلفاء المغرب؛ خاصة فرنسا. أما الاتجاه الثاني فتمثله روسيا، التي لعبت دورا كبيرا في تأجيل التصويت على القرار رقم 2351 إلى ليلة الجمعة حتى تتمكن البوليساريو من سحب ميليشياتها من منطقة الكركرات.
وقد نزلت روسيا بكل ثقلها قبل صدور القرار لتخفيف النبرة الحادة الموجهة للبوليساريو بشأن الانسحاب من منطقة الكركرات؛ بحيث كان مشروع التقرير يحمل بنودا تدعو البوليساريو إلى الانسحاب الفوري دون شروط في ظرف 30 يوما، مع إحاطة مجلس الأمن بذلك، والاشارة إلى إمكانية إنزال عقوبات عليها في حالة رفضها الانسحاب.
هذا المعطى الذي يحمل الإدانة في طياته ويجعل خصوم المغرب في مواجهة مباشرة مع الأمم المتحدة، أدخل الجزائر رفقة البوليساريو في حالة من التيهان والارتباك، جعلهما تبحثان عن مخرج لهذا المأزق من خلال تقديم ملتمس إلى روسيا للضغط داخل مجلس الأمن قصد تأخير التصويت على القرار ريثما يتم الانسحاب.
وقبل إعلان مجلس الأمن عن اعتماده القرار رقم 2351، كانت جبهة البوليساريو تسارع الزمن من أجل سحب ميليشياتها من منطقة الكركرات بشكل يطرح علامات استفهام كبرى حول التصريحات السابقة لقيادة البوليساريو التي كانت تنفي وتستبعد أية إمكانية للانسحاب، كما أن الآلة الدعائية لهذا التنظيم أوهمت ساكنة تندوف بأن الكركرات تعتبر “منطقة محررة”.
هذا التحول المفاجئ في الموقف، بهذه السرعة والطريقة، من المؤكد أن له تداعيات كبيرة على هذا التنظيم الانفصالي الذي بات يعيش على ايقاع النكسات، كما أن تعامل مجلس الأمن بهذا الصرامة يحمل في طياته أكثر من دلالة.
ويمكن إجمال التداعيات والدلالات المرتبطة بانسحاب ميليشيات البوليساريو من منطقة الكركرات في ثلاثة مستويات رئيسية:
الأول يتعلق ببوادر ظهور أزمة ثقة تجاه القيادة الحالية؛ بحيث إن ابراهيم غالي، زعيم الجبهة، راهن بشكل كبير على تواجد ميليشيات البوليساريو في منطقة الكركرات لتقوية شرعيته المسلوبة ولو بتحقيق نصر وهمي، سواء من خلال ادعاء “تحرير الأرض” أو من خلال استفزاز المغرب واستدراجه إلى مواجهة مباشرة لتحقيق مجموعة من المكاسب السياسية والدبلوماسية، أهمها إعادة طرح ملف النزاع بشكل قوي في المنتديات الدولية وتغيير التوازنات الحالية للضغط أكثر على المملكة لجعلها تقدم تنازلات.
وقد سبق أن انتقل غالي شخصيا، إبان الأزمة، إلى الكركرات مرتديا الزي العسكري، في مشهد استفزازي يعكس مدى مراهنته واعتماده بشكل ملفت على هذه الأزمة لحلحلة ملف النزاع. لذلك، فإن فشل هذا الرهان سينعكس دون شك بالسلب على صورة هذه القيادة بالمخيمات ويضع مصداقيتها ومستقبلها على المحك.
المستوى الثاني من الدلالات المرتبطة بانسحاب البوليساريو من الكركرات يتعلق بفشل الجبهة في إحداث تحول استراتيجي على مستوى الجغرافيا المتعلقة بالنزاع؛ بحيث إن التواجد بتندوف ساهم في إضعاف الدعاية الانفصالية بفعل التبعية الكلية للجزائر، بالإضافة إلى معطى آخر لا يقل أهمية يرتبط أساسا بسعي البوليساريو إلى ايجاد أرض لسد النقائص والثغرات الخاصة بمكونات الدولة. من هنا يمكن فهم الدعاية التي روجت عندما تمت تسمية منطقة الكركرات بـ” الاراضي المحررة”.
المستوى الثالث يرتبط بتعامل المنتظم الدولي مع تعنت البوليساريو إزاء أزمة الكركرات؛ بحيث يمكن اعتبار هذه الأزمة بمثابة بالون اختبار للإدارة الأمريكية الجديدة؛ إذ بات من الواضح، من خلال مشروع التقرير الذي حذر بلهجة حادة البوليساريو من مغبة الاستمرار في الكركرات، أن ملف النزاع حول الصحراء لا يحظى باهتمام الإدارة الأمريكية ولا يندرج ضمن أولوياتها في الظرفية الراهنة، وأن القوى العظمى تدفع في اتجاه استمرار الوضع كما هو عليه؛ أي المحافظة على الوضع القائم (الستاتيكو).
وأخيرا، فواقعة انسحاب البوليساريو من الكركرات بتلك الطريقة والسرعة، نتيجة الضغط الذي مارسه مجلس الأمن، يبيّن أن ايقاع الصراع حول الصحراء مؤطر ومسيج من طرف القوى العظمى وفق سقف يصعب تخطيه في الظروف الراهنة، هذا السقف يسمح بالاشتباك الدبلوماسي وتوظيف كافة الأوراق الاقتصادية والمالية والتجارية والأمنية لإدارة النزاع من لدن الأطراف، ولا يسمح “بالاشتباك العسكري” أو بتغيير أو المس بالقواعد الموجودة على الأرض، خاصة في ما يتعلق بوقف إطلاق النار.
صوت سوس : محمد الزهراوي / أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض




عذراً التعليقات مغلقة