حديث الجمعة
الحلقة: (115)
{تحريم بيع الغرر}
الحمد لله رب العالمين، أمر بالصدق عباده المؤمنين، فقال سبحانه وهو أصدق القائلين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين} [التوبة:119].
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي جاء بالصدق وبثه في الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الذين صدقوا به فكانوا هم المتقين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فإن موضوع حلقة اليوم نُطِلُّ من خلاله على نوع آخر من أنواع البيوع المحظورة والممنوعة في الإسلام، فبعد حديثنا عن النهي عن بيع المسلم على أخيه المسلم، والنهي أيضا عن بيع النَّجْشِ، وبيع المضغوط، نذكر اليوم بيع الغرر، فهو من نوع من أنواع البيوع المنهي عنها في الإسلام؛ لما يترتب عليه من غش وتدليس، وأكل لأموال الناس بالباطل.
وإذا كان بيع الغرر من الأنواع المنهي عنها في الإسلام فما تعريفه،؟ وما أنواعه،؟ وأمثلته،؟ وما مستثنياته؟.
تعريف بيع الغرر:
الغرر: آت من الغرور، وهو الخداع الذي هو مظنة عدم الرضا به عند تحققه، فيكون من باب أكل أموال الناس بالباطل، فكل بيع احتوى على جهالة أو تضمن مخاطرة أو قمارا، يعد غررا، وقد نهى عنه الشارع ومنع منه. [فقه السنة للسيد سابق (3/75).].
أنواع بيع الغرر:
قال النووي –رحمه الله-: “وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الآبق، والمعدوم والمجهول، وما لا يُقدَر على تسليمه، وما لم يَتِمَّ ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحَمْل في البطن وبيع بعض الصُّبْرَةِ مبهما، وبيع ثوب من أثواب، وشاة من شياه، ونظائر ذلك. وكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة”. [شرح النووي على مسلم (10/156).]
أنواع بيع الغرر وأمثلته:
قال القاضي عبد الوهاب البغدادي (ت422هـ) –رحمه الله- “يجمع بيع الغرر ثلاثة أوصاف.
أحدهما: تعذر التسليم غالباً.
والثاني: الجهل
والثالث: الخطر والقمار.
فأما ما يرجع إلى تعذر التسليم فكالآبق والضالة والشارد والمغصوب والطير في الهواء والسمك في الماء…”.
وأما ما يرجع إلى الجهل فيتنوع، فمنه: الجهل بجنس المبيع، كقولك: بعتك ما في كمي أو ما في صندوقي أو في يدي، ومنه ما يرجع إلى الجهل بصفاته، كقولك: بعتك ثوباً في بيتي أو فرساً في إِصْطَبْلِي.
ومنه الجهل بالثمن في جنسه أو مقداره أو أجله، مثل أن يقول بعتك بما يخرج به سعر اليوم، أو بما يبيع به فلان متاعه، أو بما يحكم به زيد…”
وأما الخطر فبيع مَا لاَ تُرجى سلامتُه، كالمريض، وما لا يدري أيسلم أم يَتلَف، ولا ظاهر ولا أمارة تغلب على الظن معهما سلامته، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
وأما القمار: فكبيع الملامسة، وهو أن يلمس الرجل الثوب فيلزمه البيع بلمسه ولم يبينه.
وبيع المنابذة، وهو أن ينبذ أحدهما ثوباً إلى الآخر وينبذ الآخر ثوبه إليه فيجب البيع بذلك.
ومنه بيع الحصاة، وصفته: أن تكون بيده حصاة فيقول: إذا سقطت من يدي فقد وجب البيع، وقيل: تكون ثياب عدة فيقول: على أيهما سقطت عليه الحصاة فقد وجب البيع”. [بتصرف من التلقين في الفقة المالكي (2/151 – 152).].
مستثنيات من بيع الغرر:
اسْتُثْنِي من بيع الغرر أشياء؛ إذ دعت الحاجة إليها، كالجهل بأساس الدار، فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأن الحاجة تدعو إليه فإنه لا يمكن رؤيته، وكذا القول في حمل الشاة ولبنها.
وأجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منها: جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهرا، مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين يوما، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة، مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم.
وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين.
وهذا كله إن دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة وكان الغرر حقيرا جاز البيع وإلا فلا. [شرح النووي على مسلم (10/156).]
هذا النوع الرابع باختصار من أنواع البيوع الفاسدة المنهي عنها وسنتابع الحديث –إن شاء الله تعالى- في الأسبوع القادم عن نوع آخر من هذه البيوع، إلى ذلكم الحين، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.




عذراً التعليقات مغلقة