حديث الجمعة الحلقة : (114) تحريم بيع المضغوط

صوت سوس13 أبريل 2017
حديث الجمعة الحلقة : (114) تحريم بيع المضغوط

حديث الجمعة
الحلقة: (114)
{تحريم بيع النَّجْشِ}
الحمد لله رب العالمين، لم يكلف عباده بما لا يطيقون، ولا بما هم عليه مكرهون، نحمده ونستعينه ونستغفره وهو الغفور الرحيم، ونشهد أنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، ومصطفاه من خلقه وخليله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛

فليعلم إخوتي القراء الأعزاء أن الحديث من ركن الجمعة ما يزال حول أنواع من البيوع الفاسدة التي لا يجوز التعامل بها بين الناس، وقد ذكرنا في الحلقتين الماضيتين البيع على البيع، وبيع النجش، وبينا حكمهما في الإسلام، وأن التعامل بهما لا يجوز؛ لما في ذلك من أكلٍ للمال بالباطل الحرام، مصداقا لقول الله –تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].

واليوم بعون وتوفيق من الله –عز وجل- نتناول الحديث عن نوع ثالث من أنواع البيوع الفاسدة، وهو: بيع المضغوط.
تعريف بيع المضغوط:
لفظ المضغوط: آت من اسم الضُّغْطَة، والضغطة: الشدة والمشقة كما في [تاج العروس (19/451).].
أما في الاصطلاح: فقد عرف المضغوط بالمكره على شراء شيء معين، ويدخل فيه أيضا الجبر على بيع شيء معين.
ففي منح الجليل شرح مختصر خليل قال: “لا فرق بين الجبر على الشراء والجبر على البيع. قلت هما متلازمان؛ إذ يلزم من الجبر على بيع السلعة الجبر على شراء ثمنها، ومن الجبر على شرائها الجبر على بيع ثمنها فلا وجه للتفرقة بينهما”. [منح الجليل شرح مختصر خليل (4/441).]
وقد اشترط جمهور الفقهاء أن يكون العاقد مختارا في بيع متاعه، فإذا أكره على بيع ماله بغير حق فإن البيع لا ينعقد لقول الله –سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]. [وينظر فقه السنة للسيد سابق 3/74.]

وفي مسائل أبي الوليد ابن رشد: “وقد اختلف أهل العلم في بيع المضغوط في غير حق اختلافا كثيرا. والذي أقول به من ذلك وأتقلده: ما ذهب اليه سحنون ورواه عن مالك، وهو أن يرد عليه ما باع من ماله، بعد غرم الثمن الذي قبض، إلا أن يكون المبتاع عالما بضغطته، فيتبع الضاغط بالثمن، ويرد على المضغوط ماله بغير ثمن” [مسائل أبي الوليد ابن رشد (1/ 188)].
والأصل في النهي عن بيع المضغوط وعدم جوازه قوله –صلى الله عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ» [سنن الدارقطني كتاب البيوع ح: 2885].
وكذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» [صحيح الجامع ح: 2323].

قال ابن بطال: “وأما بيع المكره ظلمًا وقهرًا فقال محمد بن سحنون: “أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن بيع المكره عل الظلم والجور لا يلزمه. وقال الأبهرى: إنه إجماع” [شرح صحيح البخارى لابن بطال (8/ 298).].
مستثنيات من بيع المضغوط:
ويستثنى من النهي عن بيع المكره ما إذا أكره على بيع ماله بحق، فإن البيع يقع صحيحا، كما إذا أجبر على بيع الدار لتوسعة الطريق أو المسجد أو المقبرة، أو أجبر على بيع سلعة ليفي بما عليه من دين، أو لنفقة الزوجة أو الأبوين، ففي هذه الحالات وأمثالها يصح البيع إقامة لرضا الشرع مقام رضاه.
قال عبد الرحمن بن كعب: “كان معاذ بن جبل شابا سخيا، وكان لا يمسك شيئا، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فكلمه ليكلم غرماءه، فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ؛ لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ماله، حتى قام معاذ بغير شيء”. [فقه السنة للسيد سابق (3/75).].

قلت: ويدخل في هذا النوع وجوازه ما تفعله الدولة اليوم من نزع الملكية للمصلحة العام التي توجب ذلك، من بناء مدرسة عامة، أو مستشفى، أو إدارة، أو شق طريق، أو غير ذلك من المصالح العامة، فهو مستثنى من المنع؛ لأن المصالح العامة تقدم على المصالح الخاصة، والله تعالى أعلى واعلم.
هذا النوع الثالث باختصار من أنواع البيوع الفاسدة المنهي عنها وسنتابع الحديث –إن شاء الله تعالى- في الأسبوع القادم عن نوع آخر من هذه البيوع، إلى ذلكم الحين، أسأل الله -عز وجل- حسن الخاتمة، والستر في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة