حديث الجمعة / الحلقة 111 : تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها بنتا

صوت سوس23 مارس 2017
حديث الجمعة / الحلقة 111 : تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها بنتا

بسم الله الرحمن الرحيم
حديث الجمعة
الحلقة: (111)
(تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها بنتا)
الحمد لله رب العالمين خلق كل شيء فقدره تقديرا، له الحمد في الأولى والآخرة حمدا طيبا كثيرا، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الذي أرسله الله للناس بشيرا ونذيرا، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وأتباعهم والتابعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فقد توقفنا في الحصة الماضية مع تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها أما، حيث دعا الإسلام إلى برها وطاعتها وتقديمها في كل خير، اعترافا لها بما عانت وكابدت من مشاق الحمل والمخاض والولادة والتربية، فأوصى بها أكثر من الأب لهذه الأسباب ولغيرها من حنوها وعطفها على أولادها وغير ذلك مما امتازت به الأمهات جزاهن الله خيرا.
وفي حلقة اليوم نخصص حديثنا لتكريم الإسلام للمرأة باعتبارها بنتا، وهي الفترة التي تسبق اعتبارها زوجة وأما، وهي فترة أهم وأخطر بالنسبة للفتاة إذا لم تجد من يرعى لها حقوقها، ويصون كرامتها، ويربيها على الأخلاق الفاضلة، والمثل العليا الراقية.
لذلك أوصى الإسلام بالفتاة في هذه المرحلة ودعا إلى الاعتراف بها ككائن بشري له من الحقوق ما له، وعليه من الواجبات ما عليه، وأول حق أعطاها الإسلام في هذه المرحلة حقها في الحياة؛ لتعيش مثل ما يعيش الابن، وتستنشق هواء الحياة وتتمتع بجمال العطف والحنان بجوار أخيها الذكر.
ولقد كانت الجاهلية الأولى ترى من البنت عبئا ثقيلا لا تستطيع تحمل أعبائه، كانوا يرونها مصدر إزعاج تلد الأعداء، وتقرب البعداء، يظهر ذلك من خلال ما رُوِي أن عمرو بن العاص دخل على معاوية بن أبي سفيان، وعنده بنت له يلاعبها. فقال له: انبذها عنك يا أمير المؤمنين! فوالله إِنهن يلدن الأعداء، ويقرّبن البعداء. ويؤدَّين الضغائن، فقال معاوية: لا تقل، فما ندب الموتى، ولا تفقَّدَ المرضى، ولا أعان على الحزن مثلهن. [المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها (2/ 19)].
لذلك كان العربي في جاهليته أول ما يفكر فيه هو التخلص من ابنته، وذلك بدفنها حية تحت التراب حتى يرضي مجتمعه، وإذا امتلك الشجاعة وخالف تلك الأعراف فإنه يحس بالهوان والذل نتيجة ما يلحقه من كلام المجتمع، ولقد سجل القرآن الكريم عليهم هذا فقال –سبحانه-: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58، 59].
قال المفسرون في معنى هذين الآيتين: “أي: {وإذا بشّر} أحد هؤلاء العرب الذين جعلوا لله البنات بولادة أنثى، {ظلّ وجهه مسودّا} أي: كئيبا من الهمّ، {وهو كظيم} أي: ساكت من شدّة ما هو فيه من الحزن، {يتوارى من القوم} أي: يكره أن يراه الناس، من مساءة {ما بشّر به} هل يمسك المولود الأنثى على هوان وذلّ وعار وفقر، أم يدفنها في التراب وهي حيّة، وذلك هو الوأد المذكور في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير 8- 9] [التفسير المنير للزحيلي (14/ 157)].
فحكم القرآن على فعلهم بالقبح والإساءة، وَعَدَّهُ جريمة في حق الفتاة، تحرمها من حقها في الحياة، فحرم ذلك وأثبت لها الحق في الحياة.
وقد أفاضت السنة في بيان جزاء من يداعب بناته ويكرمهن بحسن المعاملة والتربية والتعليم حتى يُقَدَّرَ لهن الكفئ من الأزواج الصالحين، فقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يلاعب بناته وغيرهن تكسيرا لذلك العرف الجاهلي السائد، وتعليما للأمة أن لهذه المخلوقة حقا في العيش والحياة وفي جميع الحقوق.
أخرج الإمام مسلم من حديث: أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ وَهِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا» [رواه مسلم].
وحدثت أم خالد بنت خالد بن سعيد –رضي الله عنها- قالت: “أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «سَنَهْ سَنَهْ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَهِيَ بِالحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فَزَبَرَنِي أَبِي، (أي: نهرني) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «دَعْهَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ، يَعْنِي مِنْ بَقَائِهَا” [رواه البخاري].
ومن حديث عنايته -صلى الله عليه وسلم- بالبنات، وأمره ببذل الرحمة وإسداء المعونة لهنّ، ما حدثت به أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- قالت: “دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ، فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ». [رواه البخاري].
ورغب النبي –صلى الله عليه وسلم- في حب البنات وإكرامهن وتربيتهن، وجعل ذلك حجابا من النار وسببا في دخول الجنة، فن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَا مِنْ أُمَّتِي أَحَدٌ يَكُونُ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ، فَيُحْسِنُ صُحْبَتَهُنَّ إِلَّا كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ» [أخرجه الطبراني في الأوسط].
فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة، حيث عم خيره وإحسانه الجميع ذكورا وإناثا، كبيرا وصغيرا، فاللهم أدمها علينا نعمة واحفظها من الزوال، وبارك لنا في أمهاتنا وزوجاتنا وبناتنا يا رب العالمين آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة