بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة السابعة والثلاثون:
دروس وعبر من الهجرة النبوية
الحمد لله رب العالمين، {أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28] نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله خاتم النبوة والرسالة، وَمَاحِقُّ الكفر والضلالة، وهادي الأمة إلى طريق الهداية، صلى الله عليه وعلى إخوانه الأنبياء، وأصحابه الأصفياء، وتابعيهم من العباد الصالحين الأتقياء، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما قبل؛
فإن الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها استقبلت عاما هجريا جديدا 1437هـ نسأل الله -جل وعلا- أن يجعله عام النصر والتمكين لأمة الإسلام، توحد فيه الصفوف، وتتحد فيه الكلمة، ويجمع فيه الشمل، وتضع الحرب فيه أوزارها، وتفيء الفرق الإسلامية إلى أمر ربها، وتتفرغ لمجابهة أعدائها، وتحرير أرضها وقدسها، وما ذلك على الله بعزيز.
ثم أما بعد؛
فليسامحني القراء الأعزاء إن خرجت بهم اليوم عن سلسلة حديث الصلاة، على أمل الرجوع إليه في الحلقة القادمة، فالمناسبة شرط كما يقال، ومناسبتنا -نحن الأمة الإسلامية- حدث الهجرة النبوية، ذلك الحدث العظيم الذي غير مجرى التاريخ، وحول الأمة من أمة تابعة إلى متبوعة، ومغلوبة إلى غالبة، وخائفة إلى أمة مهوبة، أمة سجل التاريخ أعمالها بمداد الاعتزاز والفخر.
وما من شك أن إشراق غرة العام الهجري الجديد تربطها الأمة بما سلف من ذاك الاعتزاز والفخر؛ لتستلهم منه الدروس والعبر التي تقوي إيمانها، وتربطها دوما بدينها.
فهجرة المصطفى –صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، كانت نورا لعهد مشرق جديد، وطريقا لإقامة حضارة إنسانية خالدة، ولقد أحسن سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حينما ربط تاريخنا بهذا الحدث العظيم، لتظل دروسه في حياتنا نستفيد منها وننهل من حِكَمِهَا.
وإن من أعظم الدروس أن يرسخ المسلم صلته بربه، فيزداد به تعلقا، وعليه توكلا، وله خشوعا وخضوعا، ويتعلم أن الله –سبحانه- غالب على أمره، وإذا أراد شيئا أمضاه، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].
فلما أجمعت قريش على قتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجندوا لذلك فرسانهم، وبذلوا لأجله أموالهم، نجى الله –تعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- من كيدهم وتدبيرهم بقدرته وقوته، قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر: 36]
ولما خلص الكفار إلى مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في غار ثور، قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: “لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- قولته المشهورة: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟” [رواه الإمام أحمد في المسند]
فلقد كانوا في معية الله تعالى، خرجوا بأمره، وتوكلوا عليه، فكان الله -عز وجل- معهم يؤيدهم بلطفه، ويرعاهم بعنايته، قال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40]
فمن توكل على الله كفاه، ومن استهداه هداه، فالتوكل على الله هو الحصن الحصين عند نزول البلاء، وهو باب النجاة عند انقطاع الرجاء.
عزيزي القارئ الكريم: إن دروس الهجرة النبوية كثيرة لا تنقضي، وعديدة لا تنتهي، منها حسن الإعداد، وبذل الأسباب لتحقيق الغايات الحميدة، فلقد اختار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة موضعا لهجرته، وانتقى الزمان والمكان لرحلته، وهيأ الزاد واختار الصاحب، وأعد للأمر قبل ذلك عدته، بأن أرسل إلى المدينة مصعب بن عمير -رضي الله عنه- وكان رجلا حكيما يدعو إلى الإسلام، ويحسن التعامل، ويجيد العظة، فقال لأهل يثرب: اسمعوا قولي؛ فإن قبلتموه فخذوه، وإن كرهتموه كففت عنكم ما تكرهون، فقالوا له: أنصفت. فكان محسنا في منطقه، عاقلا في حواره، امتلك قلوب الناس بأوجز العبارات، وأذعنوا له بأبلغ الكلمات، فلم يعنف ولم يهدد، بل كان رفيقا في تعامله ودعوته، فأسفر لهم عن وجه الإسلام المشرق، وبين لهم سماحته ورحمته، وعدله وحكمته، فآمنوا بهذا الدين الحنيف، حتى ملأ الإيمان قلوبهم، وتعلقت بالإسلام أرواحهم، فما من بيت في المدينة إلا ودخله الإسلام خلال عام، وكل ذلك من ثمرات الكلمة الطيبة والدعوة الحكيمة استجابة لنداء القرآن الكريم، في قول الله عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]
وهكذا يجب أن يكون المسلم واجهة مشرفة لدينه وبلده، محسنا إلى الناس، موقرا كبيرهم، رحيما بصغيرهم، مجلا ومقدرا ذا المنزلة فيهم.
ومن دروس الهجرة ضرورة الصداقة والمصاحبة، فإن الصاحب زاد لصاحبه في السراء والضراء، ولقد اختار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أصحابه خير الأصحاب وأحبهم إليه، إنه أبو بكر الصديق الذي كان نعم الصاحب الوفي، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخصه بالذكر فيقول: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ». [صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه ح: 2382]
فلنختر لأنفسنا من الأصحاب من يسرنا ذكرهم، وينفعنا عملهم، ولنحذر أصحاب السوء، فما ضل كثير من الناس إلا بسوء اختيار الأصحاب.
ومن دروس الهجرة استلهام القيم الحضارية والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها الأوطان، ومن خلالها تعمر البلدان، وبها يرتقي الإنسان، ومن هذه الركائز بناء المسجد، فهو من أول أعمال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المدينة؛ إذ المسجد يوثق صلة المؤمن برب العالمين، ويوحد المسلمين، ويجمعهم على الطاعات، ويحول بينهم وبين الدخيل من الأفكار والمغالاة، فمن المسجد تنبع رسائل المحبة إلى الناس، وتسفر مشاعل النور بالعلم والهداية.
وهناك دروس وعبر أخرى لا يتسع المقام لذكرها يكفي المسلم أن يعود لكتب السيرة للوقوف عندها، والعمل بما اكتشف من أسرارها.
نسأل الله أن جل وعلا أن نكون ممن استلهموا طريقهم من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه آمين والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.



عذراً التعليقات مغلقة