بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة الخامسة والثلاثون:
أهمية الصلاة في حياة المسلم وصفتها
الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، أمرنا بعبادته وطاعته، وجعل الصلاة وسيلة لتحقيق العبودية له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، الذي جعلت قرة عينه في الصلاة، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فقد قدمت للقراء الأعزاء في الحلقة الماضية معنى العبودية لله، التي تعني إِقْرَارَ المسلم بِقَلْبِه وَلسَانه وجوارحه، وخضوعَه خضوعاً مُطلقًا لخالقه الْوَاحِد الْوَاحِد الْأَحَد، وأن العبادة هي غاية وجود الإنسان في هذا الكون، وَأن مفهومها لَا يقْتَصر على الْمَعْنى الْخَاص الَّذِي يرد إِلَى الذِّهْن وَالَّذِي يُضيِّق نطاقَها، فيجعلها محصورة فِي الشعائر الْخَاصَّة الَّتِي يُؤَدِّيهَا الْمُؤمن، بل هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة”. [العبودية لابن تيمية (ص: 44)].
وَهَكَذَا يكون كل عمل مَشْرُوع قُصد بِهِ وجه الله تعالى عبادة، قَلَّ ذلك العمل أو كَثُرَ، عَظُم أو صَغُر، سواء كان حركة أو سكونا، أوَ قَولا أوَعَملا، سرا أو علنا.
وذكرت أحبابي الأفاضل بأن الصلاة تأتي على رأس العبادات التي يجب أن نربي عليها أنفسنا وأبناءنا، فهي من أعظم فَرَائض الْإِسْلَام، فَهِيَ الرُّكْن الثَّانِي بعد الشَّهَادَتَيْنِ، وهي عماد الدّين الَّذِي لَا يقوم الدّين بغَيْرهَا، وَهي العون على احْتِمَال تكاليف الْحَيَاة ونوائب الدَّهْر، قَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } [البقرة: 45].
وَهِي مُنَاجَاة من قِبَل العَبْد لرَبه، يَقُول النَّبِي -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم-: “إِن أحدكُم إِذا قَامَ فِي صلَاته فَإِنَّمَا يُنَاجِي ربه” [أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب: المصلي يناجي ربه عز وجل ح: 531]
وَمن هُنَا جَاءَ كَون الصلاة عمادَ الدّين، وَأَنه لَا مكانة للاستقامة أَو التخلق بِخلق الْإِسْلَام إِذا لم تكن الصَّلَاة متحققة بالطريقة الَّتِي أوضحها الشَّرْع، وعَلى النَّحْو الَّذِي أَرَادَهُ الله للنَّاس بِأَن تُؤَدّى فِي الْمَسْجِد وَفِي جمَاعَة، لتحقق آثارا إيجابية في تقويم سلوكنا، وفِي إِيجَاد الألفة والمحبة بيننا، فهي تقَوِّي الروابط الروحية، وتشد الْمُجْتَمع بعضه إِلَى بعض، وتطهر الْمُجْتَمع من الرذائل وَالْفَوَاحِش، قَالَ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } [العنكبوت: 45] وَبِذَلِك يصبح أَفْرَاد الْمُجْتَمع متوادين ومتراحمين.
وأحببت بعد هذا التذكير أن نبدأ مع قراء هذا الركن الأماجد الحديث عن كيفية أداء الصلاة كما بينها لنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- القائل: “صلوا كما رأيتموني أصلي” [والحديث في كتب السنن.]
وقد عُنِـيَ الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن بعدهم العلماء العاملون ببيان كيفية صلاته –صلى الله عليه وسلم- ابتداء باتخاذ السترة، واستقبال القبلة، وتكبيرة الإحرام إلى التسليم والخروج من الصلاة.
ففي وجوب اتخاذ السترة يقول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا تُصلِّ إلا إلى سترة، ولا تدع أحداً يمر بين يديك، فإن أبى فلتقاتله فإن معه القرين” [رواه ابن خزيمة].
وفي التكبير قال –صلى الله عليه وسلم- للمسيء صلاته: “إذا قمتَ إلى الصلاة؛ فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر” [والحديث في الصحيحين].
وكان –صلى الله عليه وسلم- يرفع يديه مع التكبير، ممدودة الأصابع لا يفرج بينها ولا يضمها، وكان يرفعهما حذو منكبيه حتى يحاذي بهما فروع أذنيه, ويضع يده اليمنى على اليسرى، وكان يقول: “إنَّا -معشرَ الأنبياء- أُمِرْنا بتعجيل فطرنا، وتأخير سُحورنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة” [والحديث في صحيح ابن حبان، ونحوه في الموطأ لإمامنا مالك رضي الله عنه].
وكان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا صلى طأطأ رأسه، ورمى ببصره نحو الأرض”. [أخرجه البيهقي والحاكم وصححه].
وكان ينهى عن رفع البصر إلى السماء “، ويشدد في ذلك حتى قال: “لينتهِيَنَّ أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة؛ أو لا ترجع إليهم”. [أخرجه مسلم].
كما نهى عن ثلاث في الصلاة: عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب” [رواه أحمد].
وكان ينهى عن الصلاة في الثوب الذي فيه تصاويرُ، أو كتابة أو رسوم، وقد قال لعائشة -رضي الله عنها- وكان قد صلى إلى ثوب فيه تصاوير: “أخِّريه عني؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرِض لي في صلاتي”. [رواه البخاري ومسلم].
ونهى -صلى الله عليه وسلم- أن يصلي الرجل في سراويل، وليس عليه رداء” [أخرجه أبو داود والحاكم].
وذلك إذا كان السروال ضيقا لصقا شفافا؛ لأنه يحجّم العورة، وعورة الرجل من الرّكبة إلى السرّة. [ينظر صفة الصلاة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله].
فإذا كان السروال واسعاً غير ضيق، صحت فيه الصلاة، والأفضل أن يكون فوقه قميص يستر ما بين السرة والركبة، وينزل عن ذلك إلى نصف الساق أو إلى الكعب؛ لأن ذلك أكمل في السِّتر؛ ولأنه من الزينة التي أمرنا بها في قول الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]
ولنكتف بهذا القدر على أمل أن نتم الحديث حول الموضوع في الحلقات القادمة، وفي انتظار ذلك نسأل الله أن ينفعنا بما تعلمنا، وأن يزيدنا علما، وأن يرزقنا السداد والصواب في الأقوال والأفعال، فإنه ولي ذلك والقادر عليه آمين والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.



عذراً التعليقات مغلقة