بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة الثلاثون:
من المقاصد الشرعية للزواج حسن المعاشرة(2).
الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] نحمده ونشكره، ونستعينه ونستغفره ونتوكل عليه، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، رب كل شيء ومليكه، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله خاتم النبيئين وإمام المرسلين، والرحمة المهداة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فهذه الحلقة الثانية من موضوع حسن المعاشرة الزوجية، بعد حلقة الجمعة الماضية، والتي تم فيها بسط القول في ذكر بعض صفات المعاشرة الحسنة التي دعا الإسلام الزوج إلى التحلي بها لتحقيق السعادة الزوجية، منها: بشاشة الوجه والكلام الطيب، والصبر على ما يصدر من الزوجة من بعض الأمور الحياتية العادية التي لا تتصادم وأحكام الشرع، وإنما تعد وجهة نظر في أمر من أمور الحياة.
وختم فيها القول بوجوب تعليم الزوج زوجته أحكام دينها قولا وعملا؛ لأن ذلك مسؤولية تحملها على عاتقه، وأخذ عليها العهد والميثاق الغليظ.
وتم تبيين أن من أهم ما ينبغي للزوج تعليمه لزوجته أن يعلمها أحكام العبادات، وحكم الإسلام في السفور والتبرج وأنه من المحرمات، فليصنها بالحجاب الشرعي، وليمنعها من كل اختلاط بأي أجنبي، وأن يَغار على عرضها وشرفها، لقوله –صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ». [أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش ح: 2761].
ومما تم التنبيه إليه أنه يجب على الزوج أن زوجته كتم الأسرار، لا سيما المتعلقة بالحياة الزوجية، قال –صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» [أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب النكاح، باب تحريم إفشاء السر ح: 1437].
وهنا مكمن الخلل والخطأ الذي يقع فيه الكثيرون من الناس قديما وحديثا، وهو أن يجتمع اثنان أو أكثر، رجلان أو امرأتان، فيبدأ الواحد منهما سرد وذكر ما يقع بينه وبين أهله من الأمور الخلوية، فيذكران ما يتعلق بأمور الفراش وغيرها مما يجب ستره وعدم كشفه لأحد، ولم يعلم هذان المتحدثان في حياتهما الخاصة أن العلاقات الزوجية من الأمور المقدسة التي سورها الإسلام بسور عظيم، لا ينبغي لأجنبي كائنا من كان أن يعلوه، وإلا سقطنا في المحظور وعرضنا استقرارنا الأسري للخطر.
فكم من بيوت خربت, وأسر دمرت بسبب ذكر أسرار الزوجين، وإفشاء أمرهما للآخرين، فكان ما كان من الأمور التي لا يحمد ذكرها، وقد عرفت حالات عدة عرض عليها أمرها، كان الإفشاء منطلقها، والنتيجة السيئة مآلها.
ولا غرابة إن وجدنا النبي –صلى الله عليه وسلم- يحذر من هذا الأمر ويشدد النكير فيه، إلى حد تشبيه فاعله بشيطان التقى شيطانة فغشيها في الطريق أو في السوق والناس ينظرون.
قال –عليه الصلاة والسلام-: “أَلَا هَلْ رَجُلٌ يُغْلِقُ بَابًا وَيُرْخِي سِتْرًا فَيَقُولُ: فَعَلْتُ بِامْرَأَتِي وَفَعَلْتُ”. فَقَامَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِي وَاللَّهِ لَيَقُولُونَ ذَاكَ وَاللَّهِ إِنَّهُنَّ لَيَقُلْنَ. قَالَ: «أَفَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَثَلِ ذَلِكَ؟» قَالُوا: وَمَا مَثَلُهُ؟ قَالَ: «كَمَثَلِ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً فِي الطَّرِيقِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ» [الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (5/ 224)]
لذا وجب علينا أن نتعلم ونعلم أهلنا تعاليم الإسلام في كل أمر تعبدنا الله عز وجل به، مذكرين في الوقت نفسه بالحقوق التي لنا والواجبات الني علينا، ولنوص أبناءنا ونعلمهم أيضا هذه الآداب الإسلامية الربانية، والمرأة تتحمل مسؤولية أعظم في توجيه بناتها وتذكيرهن بواجبات أزواجهن، ولو قبل الزواج تهيئة لهن لتحملهن مسؤولية عظيمة، كما كانت نساء السلف الصالح يفعلن.
وأختم هنا بوصية امرأة صالحة لابنتها لما زفتها عروسا لزوجها، وهي وصية عظيمة سماها بعض أهل العلم بالوصايا العشر لنجاح الحياة الزوجية، ونص الوصية كالتالي:
“أي: بنية، إنك قد فارقت الجو الذي منه خرجت، والعش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه. أصبح بملكه عليك ملكيا، فكوني له أمة يكن لك عبدا .احفظي منه خصالا عشرا ، تكن لك دركا وذكرا.
أما الأولى والثانية :فالصحبة له بالقناعة، والمعاشرة له بحسن السمع والطاعة .فإن في القناعة راحةَ القلب، وفي حسن السمع والطاعة رضي الرب.
وأما الثالثة والرابعة :فالتفقد لموضع أنفه، والتعاهد لموضع عينه. فلا تقع عينه منك على شيء قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح .وإن الكحل أحسن الموجود، والماء أطيب الطيب المفقود.
وأما الخامسة والسادسة :فالتعاهد لموضع طعامه، والتفقد له حين منامه .فإن حرارة الجوع ملهبة، وإن تنغيص النوم مغضبة.
وأما السابعة والثامنة :فالإرعاء على حشمه وعياله، والاحتفاظ بماله. فإن أصل الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، و الرعاء على الحشم والعيال حسن التدبير.
وأما التاسعة والعاشرة: فلا تفشي له سرا، ولا تعصي له في حال أمرا؛ فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره. ثم اتقي يا بنية الفرح لديه إذا كان ترحا، والكآبة إذا كان فرحا، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير .
وكوني أشد ما يكون لك إكراما أشد ما تكونين له إعظاما. وأشد ما تكونين له موافقة وأطول ما تكونين له مرافقة .واعلمي يا بنية أنك لن تصلي إلى ما تحبين منه حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببت وكرهت ، والله يخير لك ويحفظك”.
إنها وصية عظيمة تنبأ عن حب هذه المرأة لابنتها، وحبها لها، وكذا تفعل كل امرأة تريد الخير لفلذة كبدها، فلو عدنا بمجتمعاتنا إلى هذه التربية، لنجحت حياتنا الزوجية، ولما رأينا هذه المشاكل المعقدة في العلاقات الأسرية.
لكننا مع الأسف أصبحنا نجد أهل كل طرف يوصون طرفهم بالكياسة والحذر وفرض الرأي، وأن القط يموت في اليوم الأول كما يقول المغاربة في مثلهم المعروف: “نْـهَارْ الأَوَّلْ إٍمُوتْ الْمَشّْ” فَعُلٍّقَ هذا المثل زورا بالعلاقات الزوجية، فنشأ كثير من العدوة بين الأزواج، وكثير من التوجس والتخوف والحذر من الآخر، ففقدت الثقة، وأضمر كل للآخر الحقد والعداوة عياذا بالله تعالى، فلنعد إلى ديننا فإن فيه النجاة.
فاللهم اهدنا ووفقنا لتأدية ما علينا من حقوق تجاه من له الحق علينا آمين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.



عذراً التعليقات مغلقة