بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة التاسعة والعشرون:
من المقاصد الشرعية للزواج حسن المعاشرة.
الحمد لله رب العالمين، {خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} [النجم: 45، 46] سبحانه خلق فسوى، وقدر فهدى، نحمده ونشكره، ونستعينه ونتوكل عليه، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله البشير النذير، والرحمة المهداة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فحديث الجمعة في هذا الركن ما زال آخذا طريقه للحديث عن موضوع الزواج ومتعلقاته، وأحكامه وحكمه وأسراره، فبعد حصة الأسبوع الماضي عن ذكر بعض مقاصد الزواج الشرعية، التي ذكرنا منها اثنين: عفة النفس وصيانتها من الفاحشة، و حفظ النسل.
بعد ذاك أضيف اليوم مقصدا ثالثا من مقاصد الزواج وغاياته، ومقصد اليوم حول حسن المعاشرة الزوجية.
ذلك أن مما هدف الإسلام من تحقيقه في الزواج تأليف قلب الزوجين، وزرع الرحمة والمودة في ما بينهما؛ لقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
فإذا كانت المعاشرة الحسنة بين الزوجين أثمرت سعادة ترفرف على البيت ومن يولد فيه، ويؤدي ذلك إلى تخريج وتنشئة أسر مطمئنة مستقرة، عكس ما تعطينا البيوت المتزلزلة، التي لا تعرف إلا المشاكل والاضطرابات الأسرية.
لذلك أوصى الإسلام قرآنا وسنة بالمعاشرة الحسنة ودعا إلى الصبر عليها، من ذلك قوله جل وعلا: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]. وروى الترمذي بسنده إلى أم المؤمنين عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي، وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ». [سنن الترمذي باب في فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ح: 3895].
وحسن المعاشرة مطلوب من الطرفين، من الزوج ومن الزوجة، وسأقتصر في حديث اليوم على ذكر بعض صفات المعاشرة الحسنة التي دعا الإسلام الزوج إلى التحلي بها لتحقيق السعادة الزوجية، على أمل أن أذكر الصفات المطلوبة من الزوجة في ركن قادم بتوفيق الله وعونه.
وأول صفة من تلكم الصفات العظيمة حسن المعاشرة لرفيقة الحياة، وتتمثل في بشاشة الوجه والكلام الطيب، والصبر على ما يصدر من الزوجة من بعض الأمور الحياتية العادية التي لا تتصادم وأحكام الشرع، وإنما تعد وجهة نظر في أمر من أمور الحياة، فليستمع الزوج لزوجته، وليزن الأمور بعقله، وليكن ألطف بأهله.
فالزوج يستشير زوجته في شؤونه الدنيوية العامة والخاصة، ويناقش رأيها وتناقشه رأيه، حتى يصلا إلى نتيجة يراها مثمرة ناجحة، وليس في الإسلام ما يمنع ذلك، بل وجدت نصوص بينت أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يستشير زوجاته ويعمل برأيهن متى رأى فيه مصلحة، من ذلك ما وقع في صلح الحديبية سنة ست من الهجرة، لما فرغ النبي –صلى الله عليه وسلم- من قضية الكتاب الذي كتبه بينه وبين المشركين، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا»، قَالَ الراوي: “فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ” فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا… » “.[أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط ح: 2731]
فقد فتح الله عز وجل باستشارة أم سلمة –رضي الله عنها- ما فتح من الخير على الصحابة الذين لم يستجيبوا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فأنقذتهم مما كان سيصيبهم من الوعيد المترتب على مخالفة نبيهم مما ورد في قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
أما الحديث المتداول بين الناس: “شاوروهن وخالفوهن” فقد قيل: إنه حديث لا أصل له. ففي فيض القدير: “وأما ما اشتهر على الألسنة من خبر شاوروهن وخالفوهن فلا أصل له. [فيض القدير (4/ 263)]
وحسن المعاشرة إضافة إلى ما ذكر يتبعه حسن النفقة دون مَـــنٍّ ولا أذى.
فحسن النفقة يتحقق بنفقة كاملة في ذاتها، وافية في أغراضها وأهدافها، دون إسراف ولا تقتير، قال تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [الفرقان: 67] وقال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233].
ويجب أن تكون تلك النفقة من الحلال الطيب، لا من المال الحرام الآتي عن طريق الغش أو الربا أو الرشوة، أو الا تجار في بيع المحرمات؛ لأن الإنفاق على العيال من الحرام أساس التعاسة الزوجية من جهتين:
أولهما: أن آثار ذلك تعود سلبية على الصحة والتربية والسلوك، وثانيهما: أن الزوجة العاقلة ترفض بتاتا أن ينفق عليها زوجها من المال الحرام، وقد ترفض أكل ما يأتي به زوجها فينتج بينه وبينها ما ينتج من صراع بين الحق والباطل.
كما يشترط في النفقة أن لا يكون فيها مـَـنٌّ ولا أذى كما أسلفت، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264].
فالإنفاق على الزوجة جزء من الصدقة التي ينبغي للمسلم أن يحتسبها ويقصد بها وجه الله، قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ» أخرجه البخاري ومسلم.
ومن حسن المعاشرة تعليم الزوج زوجته أحكام دينها قولا وعملا؛ لأن ذلك مسؤولية تحملها على عاتقه، وأخذ عليها عهدا وميثاقا، فيجب أن يعلمها أحكام العبادات، وحكم الإسلام في السفور والتبرج وأنه من المحرمات، فليصنها بالحجاب الشرعي، وليمنعها من كل اختلاط بأي أجنبي، وأن يَغار على عرضها وشرفها، قال –صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ». [أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش ح: 2761].
ومما يجب أن يَعْلَمه الزوج هنا -وهو يدخل في باب حسن المعاشرة- أن يعلم زوجته كتم الأسرار، لا سيما المتعلقة بالحياة الزوجية، قال –صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» [أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب النكاح، باب تحريم إفشاء السر ح: 1437]. [ينظر مجموعة خطب في العلاقة الزوجية للشيخ الفقيه سيدي عبد الله بنطاهر شفاه الله عبر موقعه: الخطب المنبرية عبد الله بنطاهر.
فاللهم وفقنا لتأدية ما علينا من حقوق تجاه أهلينا يارب العالمين، واجعلنا وإياهم على درب الخير سائرين، حتى نلقاك يارب العالمين.
وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور/ أحمد بن محمد فاضل.
حديث الجمعة / الحلقة 29 : من المقاصد الشرعية للزواج حسن المعاشرة.
صوت سوس21 أغسطس 2015



عذراً التعليقات مغلقة