يتحرك “السي العربي” البالغ عامه الثامن بعد الخمسين، بكل رشاقة وحيويّة، وسط أزقة أحياء مدينة وزان، حاملا طبلته المربوطة إلى كتفه، شارعا في قرعها بتناغم مع ما يحتفظ به مخياله من التراث الإيقاعي لمناطق جبالة، وهو يستمرّ في ممارسة مهنة “المسحّراتي” التي ورثها أبا عن جدّ.
ذات الخمسيني، ورغما عن تجاعيد الزمن وآثار الوضع الاجتماعي الهش، ما يزال مصرّا، رغم توالي السنين، على إضفاء ذات الجمالية التقليديّة لليالي شهر الصيام والقيام بـ”دار الضمانة”، مستفيدا من الألفة التي نسجها طيلة عقود بمعية ساكنة المدينة.. وما أن يحل كل رمضان يغيّر “السي العربي” برنامجه الحياتي، وهو المياوم المنتمي لإحدى فرق الطقطوقة الجبلية، كي يزاول حرفة “طبّل السحور”.
في زمن التكنولوجيا
يفضل غالبية الوزانيين البقاء مستيقضين حتّى السحور، وذلك لمصادفة رمضان هذا العام لمقدم الصيف وحلول العطلة المدرسية الكبرى.. لكن ذلك لم يحل دون وجود “مسحّراتي وزّان” وسط الشوارع لممارسة طقسه السنوي المعتاد، مصرّا على إيقاض من خلد للنوم كي يتناول سحوره قبل حلول موعد الإمساك، معبرا بذلك عن وجه من التشبث بالتراث غير المادّي للمنطقة في زمن التكنولوجيا العاجّ بوسائل بديلة لإيقاظ النيام.
عثمان المودن، الإطار الإداري البالغ من العمر 28 سنة، قال إن ما يقوم به “السي العربي” هو جزء من موروث مدينة وزان ومناطق جبالة بصفة عامّة، وأضاف: “هذه مهنة موسمية ذات طابع تطوعي، وقد ارتبطت وسط مدينتنا بأشخاص معينين يأخوذ على عواتقهم هذه المسؤولية التاريخية بالأساس، ولا ينالون عوضا عنها سوى بعض الهدايا التي يجود بها السكان بعد نهاية الشهر الفضيل”.
ويرى عثمان، بعدما أبدى تخوفه من اندثار “طبالي السحور”، أن الزخم التكنولوجي الذي أضحى يسم الحياة اليوم، خاصّة مع انتشار الهواتف الذكية وألوان المنبهات الصوتية، زيادة على وفاة أجيال ممّن عهدوا ممارسين لـ”تطبيل رمضان” وغياب خلفاء لهم بذات المهامّ، ينذر بقرب اختفاء ممارسة لها حلاوتها ورمزيتها.
من الأمس
سارة شهبون، الإطار التعليمي، تقول إنّ ذكرياتها الرمضانية الطفولية ما تزال مقترنة بالميلودي الباكوري، ذاك الستيني الذي عرفته بائعا للخميرة بشوارع وزان طيلة السنة، والذي يتحوّل إلى “مسحراتي” عند مقدم الشهر الفضيل، ولا يكل في الجولان كل ليلة ليقرع طبله في أذان النائمين دون سحور.. وتضيف سارة: “إن هذه الممارسة كانت رمزا للتكافل، خاصة وأن موقظ النيام للسحور قد كان يتقاضى مكافئات عينيّة بعيدة عن المال، وكل مقد لها يمتثل لقدرته دون الإضرار بالطرف الآخر في مجازاته”.
أمّا عدنان لمسياح، الطالب الجامعي، فقد اعتاد سماع قرع الطبول أواخر كل الليالي الرمضانية بوزّان، زيادّة على ما قد يرافقها من أصوات نفير.. ويعود عدنان لذكريات الطفولة ليرسم “بورتريه” لكهل كان يحل بجوار مسكنه ولا يتردد في مناولة الصغار طبلته كي يعينوه على قرعها.. ويضيف لمسياح: “استمرار هذه الممارسة ينعش الذاكرة ويجعلها مقترنة بالزمن الجميل”.
صوت سوس




عذراً التعليقات مغلقة