بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة العشرون :
بعض من وظائف شهر الصيام.
الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا لا نهاية لعدده، كما أنعم علىينا كثيرا، سبحانه له الحمد حيث فرض على عباده صيام شهر رمضان تمحيصا للنفس وتطهيرا، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أفضل الصائمين القائمين، وخاتم النبيئين وإمام المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فأهنئ الأمة الإسلامية قاطبة، والشعب المغرب خاصة بقدوم شهر الصيام والقيام والقرآن، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].
فهنيئا لنا جميعا بهذا الشهر المبارك التي تكثر فيه القربات، وتعظم فيه الحسنات، ويعفو الله عز وجل فيه تكرما عن الذنوب والسيئات، فطوبى لمن عرف قيمته وصامه إيمانا واحتسابا، فكان كفارة له لما مضى وسلف من زلات وهفوات. مصداقا لقول سيد الكائنات، نبينا محمد عليه أفضل وأزكى الصلوات: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [صحيح البخاري كتاب الإيمان، باب: صوم رمضان احتسابا من الإيمان ح: 38. ومسلم كتاب الصلاة، باب: الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح ح: 759].
وبناء على عظمة هذا الشهر وقيمته وأهميته في ديننا الإسلامي الحنيف، فأني سأخصص جمعه للحديث عن فضائله وما يتعلق به من أحكام وقضايا نحن –في نظري- في أمس الحاجة إلى معرفتها والإحاطة بها.
وأبدأ اليوم بذكر بعض من وظائف هذا الشهر التي ينبغي للمسلم الصائم الحرص على القيام بها، والتقرب إلى المولى بكثرتها، ولا يخفى على السادة القراء أننا نعيش موسما للخيرات، موسما لتنزل الرحمات، موسما للتقرب إلى الله بالطاعات، وما دمنا كذلك فلنجعل من هذه الأيام المباركة أياما للعمل الصالح المصحوب بالإخلاص، والمؤسس على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
فما هي أهم الأعمال أو الوظائف التي كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يتقرب بها إلى الله عز وجل في هذا الشهر العظيم المبارك إلى جانب الصيام؟.
إن هذه الوظائف والأعمال كثيرة، حسبنا أن نذكر بعضها ونَحرصَ على تطبيقها لننال ثوابها وفضلها.
فأول هذه الوظائف: القيام، قال –صلى الله عليه وسلم-: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» [صحيح البخاري كتاب الإيمان، باب: تطوع قيام رمضان من الإيمان ح: 37. ومسلم كتاب الصلاة، باب: الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح ح: 759].
والقيام المراد به هنا صلاة التراويح، وملازمة الإمام حتى يفرغ منها، قال -صلى الله عليه وسلم-: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة” [رواه أبو داود والترمذي والنسائي].
والتراويحُ سنةٌ، وفعلها جماعةٌ أفضلُ، وفعلُ الصحابة لها مشهورٌ. وتلقته الأمةُ عنهم خلفًا بعد سلفٍ. [وظائف رمضان لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي (ص: 40)].
فاحرص أخي الصائم على هذه السنة التي اختص بها شهر رمضان، ولا توجد في غيره من شهور العام، واعمل جاهدا على أن لا يصدنك عنها الشيطان، بكل ما يوسوس به للنفس من وساوس يستجيب لها الإنسان، فيَحرِم نفسه من ثواب الرحمان، فقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يواظب على صلاة إحدى عشر ركعة، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا» [صحيح البخاري كتاب صلاة التراويح، باب: فضل من قام رمضان ح: 2013. ومسلم كتاب الصلاة، باب: صلاة الليل، وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل، وأن الوتر ركعة، وأن الركعة صلاة صحيحة ح: 738].
ثانيا: الصدقة: وهي من الأعمال الصالحة التي كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يتقرب بها إلى الله دائما، لكنه كان يكثر منها في رمضان، قال عبد الله ابْن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» [صحيح البخاري كتاب الصوم، باب: أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان ح: 1902. ومسلم كتاب الفضائل، باب: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير من الريح المرسلة ح: 2308].
والجود كما يقول ابن رجب –رحمه الله-: هو سعة العطاء وكثرته. [لطائف المعارف لطائف المعارف لابن رجب (ص: 163]. وهو يشمل جميع أعمال البر وصنائع المعروف.
ثالثا: العمل على إفطار الصائم ولو بتمرة أو شربة ماء، فقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «من فطر صائما كان له مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا.» [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه].
وفي حديث سلمان الطويل في فضل شهر رمضان: «وهو شهرُ المواساة، وشهرٌ يزادُ فيه: رزق المؤمن، من فطر فيه صائمًا كان مغفرةً لذنُوبِه، وعقتًا لرقبته من النار، وكان له مثل أجره، من غير أن ينقصَ من أجرِ الصائِم شيئا» قالوا: يا رسول الله، ليس كلُّنا يجد ما يفطِّرُ الصائم، قال: «يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائمًا، على مذقة لبن، أو تمرةٍ، أو شربة ماءٍ؛ ومن سقى فيه صائمًا سقاه الله من حوضي شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ. [صحيح ابن خزيمة].
رابعا: رمضان قراءة القرآن، فشهر رمضان هو شهر القرآن، قال الله عز وجل في محكم تنزيله{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].
وتطبيقا لهذا كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يختم القرآن في شهر رمضان، وكان جبريل عليه السلام يدارسه ذلك، وقد تقدم قبل حديث ابن عباس –رضي الله عتهما- «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»
وقراءة حرف من القرآن بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، قال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ الْم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ”. [رواه الترمذي].
والحسنة هذه تكون بهذا العد في غير رمضان، أما في رمضان فإنها تعظم وتتضاعف أكثر مما كان، فالأعمال تأخذ مكانتها من شرف الزمان والمكان.
وبعد فهذه من الأعمال التي يجدر بصائمي رمضان القيام بها، وهي على قلتها ويسرها ثوابها عند الله عظيم، وأجرها مضاعف من رب كريم، يجازي على الحسنة بعشر أمثالها ويضاعفها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فلنحرص عليها ما استطعناها سبيلا.
فاللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، واستجب في هذا الشهر عدواتنا، واغفر لنا فيه ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار آمين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل



عذراً التعليقات مغلقة