بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة التاسعة عشرة:
المُؤْمِنِ كَالنَّحْلَةِ أَكَلَتْ طَيِّبًا، ووَضَعَتْ طَيِّبًا، ووقَعَتْ فَلَمْ تكْسرْ ولَمْ تفْسدْ.
الحمد لله رب العالمين، بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله خاتم النبيئين وإمام المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فموضوع حلقة اليوم من حلقات حديث الجمعة: “بعض من صفات المؤمن” انطلاقا من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص –رضي الله عنهما- أنه سمعَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «… والَّذِي نَفْسُ محمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ أَسْلَمَ المُسْلِمِينَ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ ويَدِهِ، وإِنَّ أَفْضَلَ الهِجْرَةِ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ. والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَثَلَ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ النَّحْلَةِ أَكَلَتْ طَيِّبًا، ووَضَعَتْ طَيِّبًا، ووقَعَتْ فَلَمْ تكْسرْ ولَمْ تفْسدْ…». [رواه الطبراني في الكبير ح: 14507].
فبعد الحديث عن أسلم المسلمين وهو من سلم الناس من لسانه ويده؛ لأن استقامة اللسان خصلة عظيمة من خصال الإيمان، دالة على استقامة المتصف بها، قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه». (أحمد في مسنده ح:13047].
وبعد الحديث أيضا عن أفضل الهجرة التي تكون بهجر المعاصي والمحرمات، والذنوب والسيئات، وبذلك يعد المؤمن ضمن من نال ثواب الهجرة التي هي مفارقة الأهل والوطن في سبيل الله تعالى، والتي انتهت بفتح مكة.
بعد هذين الوصفَيْن العظيمَيْن المتقدمَيْن يأتي في الحديث النبوي الشريف وصف آخر للمؤمن، وهو وصف عظيم، وتشبيه منه -صلى الله عليه وسلم- بليغ، حيث يصف المؤمن بالنحلة من حيث طيبوبتها فيقول: «إِنَّ مَثَلَ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ النَّحْلَةِ أَكَلَتْ طَيِّبًا، ووَضَعَتْ طَيِّبًا، ووقَعَتْ فَلَمْ تكْسرْ ولَمْ تفْسدْ…».
والمؤمن إذا أطلق يقصد به المؤمن الذي تكاملت فيه خصال الخير باطنا، وأخلاق الإسلام ظاهرا، قال زين الدين عبد الرؤوف المناوي (تـ:1031هـ) -رحمه الله-: “فشبه المؤمن بذبابة العسل؛ لقلة مؤنتها وكثرة نفعها، كما قيل: إن قعدت على عش لم تكسره وإن وردت على ماء لم تكدره.
وقال علي: كونوا في الدنيا كالنحلة، كل الطير يستضعفها، وما علموا ما ببطنها من النفع والشفاء”. [فيض القدير (5/ 514)]
وقال أيضا في معنى “أَكَلَتْ طَيِّبًا، ووَضَعَتْ طَيِّبًا، ووقَعَتْ فَلَمْ تكْسرْ ولَمْ تفْسدْ” أي: أنها لا تأكل بمرادها وما يلذ لها، بل تأكل بأمر مُسَخِّرِهَا في قوله: {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [النحل: 69] حلوها ومرها لا تتعداه إلى غيره، من غير تخليط، فلذلك طاب وصفها لذة وحلاوة وشفاء، فكذا المؤمن لا يأكل إلا طيبا، وهو الذي حلى بإذن ربه لا بهوى نفسه، فلذلك لا يصدر من باطنه وظاهره إلا طيب الأفعال، وزكي الأخلاق، وصالح الأعمال، فلا يطمح في صلاح الأعمال إلا بعد طيب الغذاء، وبقدر صفاء حلوه تنمو أعماله وتزكو”. [فيض القدير (5/ 514)].
وغني عن القول أن المؤمن حريص على أن يكون طيبا في كل شيء، في مأكله ومشربه وملبسه، في كلامه وحركاته وسكناته، في كل ما يصدر عنه من قول وفعل، فعن المأكل والمشرب وطلب إخلاصه من الشوائب وتمحيصه ليكون حلالا محضا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ “[صحيح مسلم كتاب الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ح: 1015].
ومعنى أن الله جل وعلا طيب: أي: منزه عن النقائص، وهو بمعنى القدوس، وأصل الطيب الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث، كما قال النووي رحمه الله. [شرح النووي على مسلم (7/ 100)].
ويقول عن هذا الحديث: “وهذا الحديث أحد الأحاديث التي هي قواعد الإسلام، ومباني الأحكام، وقد جمعت منها أربعين حديثا في جزء، وفيه الحث على الإنفاق من الحلال، والنهي عن الإنفاق من غيره، وفيه أن المشروب والمأكول والملبوس ونحو ذلك ينبغي أن يكون حلالا خالصا لا شبهة فيه، وأن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره. [شرح النووي على مسلم (7/ 100)].
وعن طيب الكلام يقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» وقال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة» [صحيح البخاري كتاب الأدب، باب: طيب الكلام ح: 6023].
قال ابن بطال –رحمه الله-: “ووجه تشبيهه على السلام الكلمة الطيبة بالصدقة بالمال هو أن الصدقة بالمال تحيا بها نفس المتصدق عليه ويفرح بها، والكلمة الطيبة يفرح بها المؤمن ويحسن موقعها من قلبه، فاشتبها من هذه الجهة، ألا ترى أنها تذهب الشحناء، وتجلى السخيمة، كما قال تعالى: (ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم) والدفع بالتى هى أحسن قد يكون بالقول كما يكون بالفعل.
قال صاحب العين: أشاح بوجهه عن الشىء إذا نحاه، ورجل مشيح، وشائح، أى: حازم حذر”. [شرح صحيح البخارى لابن بطال (9/ 225)].
ويقول النووي: “الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار، وهي الكلمة التي فيها تَطْييبٌ قلب إنسان إذا كانت مباحة أو طاعة”. [شرح النووي على مسلم (7/ 101)]
وتدخل الكلمة الطيبة في جميع الأبواب، في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإرشاد الضال، وتعليم الجاهل، وفي كل ما من شأنه إدخال السرور على المسلمين.
وإذا كانت الكلمة الطيبة يتقى بها النار، فإن الكلمة الخبيثة يستوجب بها النار، فليحذرها كل مسلم، وليمرن لسانه على قول الخير والنطق به، وقد قدمنا في صفة المؤمن من حيث سلامة الناس من لسانه ويده ما يكفي ويغني عن إعادة ذكره.
فاللهم كما حسنت خلقنا فحسن أخلاقنا، وطهر قلوبنا من النفاق، وأعيننا من الخيانة، وألسنتنا من الكذب، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأصلح اللهم ما ظهر منا وما بطن، واحفظنا واحفظ بلدنا ملكا وشعبا، واحفظ اللهم أمننا ووحدتنا وأدم علينا نعمة الصحة والعافية آمين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل



عذراً التعليقات مغلقة