حديث الجمعة الحلقة : ( 197) تزكية النفس وتنقيتها من الرذائل .

صوت سوس6 ديسمبر 2018
حديث الجمعة الحلقة : ( 197) تزكية النفس وتنقيتها من الرذائل .

حديث الجمعة

تزكية النفس وتنقيتها من الرذائل

الحلقة (197)

الحمد لله رب العالمين خلق النفوس وأمر بتزكيتها، وحث في غير ما آية على تربيتها وتنميتها، نحمده سبحانه وتعالى على ما أولانا من نعم وفضائل لا تعد ولا تحصى لكثرتها، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الداعي أمته إلى التمسك بالفطرة السليمة التي فطر الناس عليها، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

أما بعد :

فيقول الله –تعالى- في محكم تنزيله -وهو أصدق القائلين-: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10].
أيها القراء الأفاضل الأعزاء: موضوعنا حول النفس وتزكيتها، والتحذير من تدسيتها واتباع شهواتها، والنفس عرفت عند بعض العلماء بأنها الروح التي تشغل جسم الإنسان، بوجودها حياته، وبفقدها هلاكه، وبها خيره وشره، وسعادته وشقاوته، وصلاحه وطلاحه.

والنفس جوهرٌ مشرق للبدن، ينقطع عند الموت ضوؤه عن ظاهر البدن وباطنه، وأما في وقت النوم، فينقطع عن ظاهر البدن دون باطنه.

والنفس آية من آيات الله في هذا الإنسان الدالة على عظمة الله وقدرته، قال –تعالى-: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، والمعنى: ألا تتفكرون في خلق أنفسكم، كيف أنشأكم؟، فقد ركب الله فيكم هذا الجوهر اللطيف السريع التغير والتأثر والانفعال النفسي من الهم والإرادة، والقصد والحب والبغض، ولولا هذه النفس لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه.

وقد وردت النفس في القرآن الكريم في مواضع عديدة، وتعدَّدت معانيها بحسب سياق الآيات الكريمة الواردة فيها، ومن هذه المعاني، قُوى الخير والشر في الإنسان، أي: القدرة على إدراك الخير والشر، والتمييز بينهما، والاستعداد لهما، قال –تعالى-:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10] قال ابن عباس: بين لها الخير والشر.

أيها القارئ الكريم: في كل واحد منا قوةٌ واعية مدركة، من استخدمها في الخير وغلَّبها على الشر أفلح، ومَن ظلم هذه القوة وجنى عليها وأضعفها خاب وخسر، وهذه القوة هي الفطرة التي يولد عليها كل مولود، قال –عليه الصلاة والسلام-: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ» ثُمَّ يَقُولُ: أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ} [الروم: 30] الْآيَةَ [البخاري ومسلم].

وفي صحيح الإمام مسلم من حديث المُشاجِعِي أن الله –تعالى- يقول: «… وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا…».

وبناء عليه فإنه يتوجب على كل مسلم ومسلمة أن يزكى نفسه ويطهر قلبه من كل خلق سافل، ويتحلى بالفضائل، حتى يعود بنفسه إلى هذه الحنيفية، والفطرة السوية، التي خلقت عليها البشرية، فرحم الله عبدا اعتز بصلاح نفسه ونقاها من الرذائل المهلكة، وحملها على الرجوع إلى الفطرة النقية السوية، فإن كانت النفس تتوق إلى مخالفة الأوامر وتحب الوقوع في مستنقع الرذائل، فليلزمها صاحبها بالتقوى ويحليها بالفضائل، قال –تعالى-: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40، 41].

وإذا كانت النفس تميل إلى التعلق بغير الله، فليلزمها بما عند الله اعتقادا وتعبدا، ويجنبها الشرك قولا واعتقادا وسلوكا، قال –تعالى-: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

وإذا كانت النفس تتوق إلى الكذب فليطهرها صاحبها بالصدق ولزومه، فإن النجاة والفوز في طريقه، قال –تعالى-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]. وقال عز من قائل –سبحانه-: {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد: 21].

وإذا كانت النفس تتوق إلى العجب والتعاظم والتكبر على الناس، فَلْيُحَلِّهَا صاحبها بحلية التواضع التي هي خير لباس، قال –تعالى-: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء: 37، 38].

ولا يحصل للعبد ذلك إلا بتوفيق وإعانة من المولى عز وجل، قال –تعالى-: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21]
ولأهمية تزكية النفوس وطلب العون على ذلك من الله عز وجل، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتضرع إلى ربه في ذلك فيقول: «… اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» [رواه مسلم].

فحقيق بنا أن نَجِدَّ ونجتهد في تزكية نفوسنا لننال الفلاح؛ اقتداء بنبينا -صلى الله عليه وسلم- لنفوز بخيري الدارين. نسأل الله –تعالى- بمنه وكرمه أن يوفقنا إلى خير العمل، وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن، وأن يختم لنا بالخاتمة الحسنى أجمعين، آمين.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة