حديث الجمعة / الحلقة 33 : فضائل عشر ذي الحجة والأعمال التي يستحب التقرب بها إلى الله عز وجل.

صوت سوس17 سبتمبر 2015
حديث الجمعة / الحلقة 33 : فضائل عشر ذي الحجة والأعمال التي يستحب التقرب بها إلى الله عز وجل.

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

حديث الجمعة: الحلقة الثالثة والثلاثون:
فضائل عشر ذي الحجة والأعمال التي يستحب التقرب بها إلى الله عز وجل.
الحمد لله رب العالمين، جعل لنا في أيام دهرنا نفحات، التي أُمر المسلم أن يتزود منها بالطاعات، من سنن ونوافل وسائر القربات، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أفضل من تقرب إلى الله بصالح الأعمال، وحث أمته على جميل الخصال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فغير خاف على القارئ الكريم أننا نعيش هذه الأيام أياما طيبات مباركة، إنها أيام عشر ذي الحجة، وشهر ذي الحجة نطقت الآيات والأحاديث بفضله، وخَصَّت أيامه الأولى بمزيد فضل وثواب، فأنعم به من شهر عظيم، وأنعم بأيامه ولياليه المباركة، فهو أحد الأشهر المحرمة، وأيامه أفضل أيام الدنيا كما صح عنه r: “أفضل أيام الدنيا أيام العشر”. [أخرجه البزار ورجاله ثقات].
وقد أقسم الله بهذه الأيام العشر في كتابه، وإقسامه -عز وجل- بشيء دلالة على مكانته ورفعته: قال سبحانه: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1، 2] وهي عشر ذي الحجة، وصح عنه r أنه قال: “ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء” [صحيح البخاري باب فضل العمل في أيام التشريق ح: 969]
وقد شرع الله عز وجل لعباده في هذه العشر المباركة أعمالا يتقربون بها إليه، منها الصيام، خصوصا صيام يوم عرفة، فقد صح عنه r: أن صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية” [أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس ح: 1162].
ومنها كثرة ذكر الله عز وجل من تكبير وتحميد وتهليل، قال تعالى: “وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودات” وقال جل شأنه: “ويذكروا اسم الله في أيام معلومات” فالمعدودات: أيام التشريق، والمعلومات: الأيام العشر من ذي الحجة. وقد كان عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه- يكثر في هذه الأيام من قول: الله أكبر الله أكبر لا لإله إلا الله الله أكبرالله أكبر ولله الحمد.
ومما شرع الله -عز وجل- التقرب به إليه في هذه الأيام: أضحية العيد، والأضحية هي النسيكة التي تذبح يوم العاشر من ذي الحجة، وقد شرعت لهذه الأمة تذكيراً لها بتلك النعمة الجليلة التي أنجى الله بها أبانا إسماعيل عليه الصلاة والسلام، كما قصها علينا القرآن الكريم في قول الله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 102 -107]
فكانت هذه الأضحية تذكيراً لهذه الأمة بنعمة جليلة أبقت على وجودها في هذه الأرض، لتحمل رسالة الإسلام، وتكون خير أمة أخرجت للناس.
وإذا كانت أضحية العيد عبادة يتقرب بها العبد إلى الله -عز وجل- ينبغي أن يتعلم المسلم ما يتعلق بها من أحكام، من ذلك أنها شرعت بكتاب الله، وعلى لسان رسوله، وأجمعت الأمة عليها، يقول ربنا سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 1، 2]
فقد جاء في هذه السورة ترتيب النحر أي: الذبح بعد صلاة العيد، وأما من السنة فما رواه أنس بن مالك أن النبي ضحى يوم الأضحى بكبشين سمينين أملحين، ذبحهما بيده”. [أخرجه البخاري في كتاب الأضاحي، باب أضحية النبي -صلى الله عليه وسلم- بكبشين أقرنين ويذكر سمينين ح 5554]
والأملح هو الأبيض الذي يخالطه بعض السواد.
أما الإجماع فقد أجمعت الأمة على هذه الأضحية من غير نكير ولا مخالف لها.
وهذه العبادة تكون من المال، وعليه فإن المسلم الذي يريد أن يضحي عليه أن يتخير مال أضحيته من طيب ماله وكسبه، لأن الله أمرنا أن نخرجها وننفقها من طيب أموالنا، يقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267].
ويقول الرسول : “إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً” [مسلم كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها. ح: 1015]
فلا يليق بالمسلم أن يشتري أضحيته إلا من طيب وخالص ماله حتى تكون عبادته مقبولة.
ومن أحكام أضحية العيد أنها لا تقبل إلا بشروط أوضحها وبينها نبينا ، منها أن تكون الأضحية مسنة، وهي الثَّني من الضأن والمَعْز والبقر والإبل فمن الضأن ما أوفى سنة، ومن المعز ما أوفى سنة ودخل في الثانية، والثَّنِيُّ من البقر ما دخل في السنة الرابعة، والثني من الإبل ما دخل في السنة السادسة، فإذا تعسرت المسنة أجزأت الجذعة من الضأن التي لم تبلغ سنة لقوله : “لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن” [مسلم كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية. ح: 1963]
ومن الشروط أيضا أن تكون سليمة من العيوب، قال : “أربعة لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظَلْعها، والعجفاء التي لا تنقى” [الموطأ باب ما ينهى عنه من الضحايا ح: 1].
والعجفاء التي لا تنقى أي: الهزيلة الضعيفة، ولذلك ضحى عليه الصلاة والسلام بكبشين سمينين أملحين كما تقدم.
كما لا يجوز للمسلم القادر أن يتخلى عن أضحية العيد، فإن تخلف عنها مع القدرة أثم، قال مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا” [والحديث في سنن ابن ماجه].
ووقت ذبح الأضحية: يبدأ بعد صلاة العيد من اليوم العاشر من ذي الحجة، ويستمر وقته طيلة أيام التشريق الثلاثة لقوله :{أيام التشريق كلها ذبح} وعلى المسلم أن يذبح بيده إن كان يحسن الذبح، فإن ذلك من السنة، وإلا عليه أن يشهد ذبحها إذا وكل غيره للذبح.
ويجوز للمضحي أن يأكل ويتصدق ويدخر من أضحيته ما شاء دون تعيين للقسمة، لا ثلث ولا غيره، لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28]. ولقوله : “كلوا وتصدقوا وتزودوا وادخروا” [الموطأ باب الدخار لحوم الأضاحي ح: 6].
فاللهم وفقنا لامتثال هذا الهدي النبوي الكريم، الذي جاء به ديننا الإسلامي الحنيف، فإنك ولي ذلك والقادر عليه آمين والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة