حديث الجمعة / الحلقة 23 : فضائل العشر الأواخر من رمضان

صوت سوس10 يوليو 2015
حديث الجمعة / الحلقة 23 : فضائل العشر الأواخر من رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة الثالثة والعشرون:
فضائل العشر الأواخر من رمضان
الحمد لله الملك الباقي، الذي لا يلحقه زوال، فهو الدائم سبحانه وكل شيء سواه هالك، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له المتفرد بالبقاء، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله إمام الأنبياء، والحجة على الخليقة جمعاء، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فنعيش اليوم الجمعة الرابعة من جمع شهر رمضان المعظم، فأكرم به وبأيامه ولياليه وكل لحظاته، وهو شهر أوشك على الانتهاء، ولم يبق منه إلا القليل، فالبدار البدار إلى اغتنام ما بقي من أوقاته، لعل رحمة الله ومغفرته وعتقه من النار يدركنا كله فيه.
أيها الإخوة القراء الأعزاء: وقفنا وقفات يسيرة مع فوائد شهر رمضان في تقويم ما اعوج من سلوكنا، انطلاقا من قوله –صلى الله عليه وسلم-: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ. وَلَا يَجْهَلْ. فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ».[الموطأ كتاب الصيام، باب جامع الصيام ح: 57].
فالصيام يعينك –أخي المسلم أختي المسلمة- على اجتناب الرفث والجهل والسب والشتم والخنا والغيبة والجفاء، وكلها آفات خطيرة منبعها اللسان، ورمضان يربي فيك ملكة التحلي بأضدادها من الصفات الحميدة، والأخلاق السامية الرفيعة.
لذلك فإن المسلم يحزن على مفارقة هذا الشهر الذي أزف على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، ولذلك هو مطالب بمضاعفة العمل الذي كان يؤديه في بداية الشهر ووسطه؛ ليختم شهره كما بدأه وزيادة، لعل الله أن يتقبل منه جهده ويدخله في الصالحين.
ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخص عشر رمضان الأخيرة بخصائص دون بقية أيام الشهر لعلمه بفضلها وشرفها، فقد كان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها من ليالي الشهر، فكان إذا دخلت هذه العشر المباركة شمر وشد المئزر وأيقظ أهله، وأحيى ليله، وذلك بطول التهجد والقيام، فعَنْ أم المؤنين عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ». [أخرجه البخاري في كتاب فضل ليلة القدر باب العمل في العشر الأواخر من رمضان ح 2024]:
وقد كان سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم يقتدون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، فكانوا يخصون هذه العشر بزيادة في قيام الليل، فكانوا يقومون أول الليل بالتراويح، ثم يقومون آخره بالتهجد، وكانوا يطيلون الصلاة بإطالة القيام والركوع والسجود فليكن لنا في نبينا وفيهم أسوة جسنة، ولندفع الملل والكسل الذي يفتر عن الطاعة، فالملاحظ أن كثيرا من الناس كلما اقترب وأشرف الشهر على الانتهاء يزداد تقصيرهم وتفريطهم، مخالفين بذلك سنة نبيهم، وما علموا أن فضل الشهر آخره، فلا ينبغي للمؤمن العاقل أن يفوّت هذه الفرصة الثمينة على نفسه وأهله، فما هي إلا ليال معدودة، ربما تكون آخر أيام وليالي العمر.
فهذه العشر هي ليالي التهجد، وطول القيام وإحياء الليل، وليس بشرط أن يحي المسلم الليل كله فلا ينام، بل يصلي أول الليل بالتراويح، ثم يستريح بأخذ قسط من النوم، ثم يقوم في آخر الليل مع المسلمين في المسجد؛ ليحظى بفضل قيام هذه الليالي المباركة؛ ولكي يجد ثواب ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة، قال تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ}. [الأعراف: 8ـ 9]
أخي المسلم: من فضائل العشر الأواخر أنها هي الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر، لأنها في هذه العشر آكد وأوكد، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحراها في هذه الليالي ويحث عليها فيها، ومن أجل ذلك كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فكلن يجلس في المسجد ليله ونهاره، يخلو بربه عابدا تاليا للقرآن، ومصليا وذاكرا في معتكفه؛ تحرياً لهذه الليلة التي قال الله جل وعلا منوها بشأنها: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ الْقَدْرِ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [سورة القدر]
فليلة القدر ليلة عظيمة من وفق لها ووافقها وقامها إيماناً واحتساباً كتب الله له عمل ألف شهر، بل هي خير من ألف شهر تضاف إلى حسناته، وألف شهر ثلاثة وثمانون عاماً وثلاثة أشهر.
فيا لها من ليلة ذات قدر عظيم عند الله سبحانه وتعالى، فلا تفت علينا بالغفلة والكسل والخمول؛ لنتحرها في هذه العشر، بالقيام مع المسلمين جماعة خلف الإمام حتى ينصرف، قال -صلى الله عليه وسلم-: “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”. [أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية ح 1901]:
أخي المسلم: يستحب مع الصلاة والذكر وقراءة القرآن في ليلة القدر الإكثار من الدعاء، فقد ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “قلت يا رسول الله: أرأيت إن علمت أي ليلة هي ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني” [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح].
فالعفو اسم من أسماء الله تعالى، وهو المتجاوز عن سيئات عباده الماحي لآثارها عنهم، وهو يحب العفو ويحب أن يعفو عن عباده. وفي الحديث القدسي: “يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي”. [رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب].
فاللهم إنا نسألك أن توفقنا لقيام وإحياء ما بقي من ليالي رمضان إيمانا واحتسابا، وأن تجعلنا بفضلك من المصادفين لليلة القدر، كما نسألك اللهم أن تتقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا، وأن تختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وأن تعفو عنا فإنك عفو حليم كريم تحب الغفو آمين.
وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور/ أحمد بن محمد فاضل

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة