في قلب “معركة الطماطم”: كيف أعاد قرار المنع التوازن للأسواق وماذا يجري خلف الكواليس؟.

صوت سوس7 نوفمبر 2026
في قلب “معركة الطماطم”: كيف أعاد قرار المنع التوازن للأسواق وماذا يجري خلف الكواليس؟.

صوت سوس : سعد الدين بن سيهمو

​في سوق الجملة للخضر والفواكه بإنزكان، كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحاً ، أصوات محركات الشاحنات الثقيلة تعلو المكان، وصياح “الدلاّلة” يعلن عن أسعار لم يسمعها التجار منذ أسابيع ، شاحنات ضخمة كانت مبرمجة لقطع مضيق جبل طارق نحو العواصم الأوروبية، أفرغت حمولتها هنا فجأة ، النتيجة: 6 دراهم للكيلوغرام الواحد بعدما كان الثمن يقترب من 15 درهماً قبل ساعات قليلة فقط.

​هذا التحقيق يرصد تفاصيل الساعات الأولى بعد صدور قرار تقييد التصدير، متتبعاً المسار من الحقول إلى موائد المستهلكين، وناقلاً أصوات أطراف المعادلة: المواطن، التاجر، والفلاح.

​المشهد من قاع السوق: ذهول وتنهيدة ارتياح

​في سوق “درب غلف” الشعبي بالدار البيضاء، وضعت فاطمة (ربة بيت، 52 عاماً) قفتها جانباً وهي تنظر بتمعن إلى يافطة الكرتون التي خط عليها البائع رقم “6 دراهم”.

​تقول فاطمة بنبرة تجمع بين الفرح والدهشة:
​”الأسبوع الماضي اشتريت كيلوغراماً واحداً بـ 14 درهماً، وكان حبات معدودة نقتصد فيها في إعداد ‘الحريرة’ و’الطاجين ، اليوم اشتريت صندوقاً صغيراً بـ 50 درهماً، لا أفهم في السياسة ولا التصدير، كل ما أعلمه أن هذا هو الثمن الحقيقي الذي يناسب جيوبنا.”

​غير بعيد عنها، يقف مصطفى، بائع خضر بالتقسيط منذ أكثر من عشرين عاماً، وهو يرتب صناديق الطماطم الطازجة:
​”كنا في حرج شديد مع الزبناء. المواطن يظن أننا نحن من نرفع السعر، بينما الحقيقة أننا كنا نشتري الصندوق من سوق الجملة بأثمنة خيالية ولا نربح فيه سوى درهم واحد ، اليوم عندما توقفت شاحنات التصدير، اغتنت السوق فجأة وانخفض السعر تلقائياً.”

​ما وراء الستار: أسرار الانقلاب السريع للأسعار.

​كيف يمكن لسلعة أساسية أن تفقد أكثر من 50% من قيمتها في غضون 24 إلى 48 ساعة؟ الجواب يكمن في البنية الحساسة لسوق الخضر الطازجة، التي لا تحتمل الانتظار.

​1. طبيعة المنتوج السريع التلف: الطماطم المعدة للتصدير لا يمكن تخزينها طويلاً ، فبمجرد إغلاق باب التصدير أو تقليص كوطاته، يجد المصدرون أنفسهم أمام خيارين: إما تصريف السلع فوراً في السوق الداخلي بأي سعر، أو مواجهة التلف الكامل.

​2. عنصر الصدمة في العرض: تدفق مئات الأطنان دفعة واحدة إلى أسواق الجملة الكبرى (إنزكان، البيضاء، طنجة، والرباط) تسبب في وفرة غير متوقعة، مما كسر شوكة المضاربين والوسطاء الذين كانوا يحتكرون الكميات القليلة المتبقية.

​3. غياب الوسطاء متعددي الحلقات: في فترات الغلاء، تمر السلعة بين 3 إلى 4 وسطاء قبل وصولها للزبون، وكل حلقة تضيف هامش ربحها ، التدفق المباشر أربك هذه الحلقات وأجبرها على خفض الأسعار لتفادي الخسارة.

​الوجه الآخر للعملة: فلاحون يخشون الإفلاس

​على النقيض من أجواء الابتهاج في أسواق المدن، يسود القلق بين مزارعي منطقة سوس واشتوكة آيت باها، المعقل الرئيسي لإنتاج الطماطم في المغرب.
​في إحدى الضيعات المغطاة بآيت عميرة، يشرح “الحاج إبراهيم”، فلاح متوسط، الكلفة الخفية التي لا يراها المستهلك:

​”الجميع يفرح عندما ينزل السعر إلى 5 أو 6 دراهم، وهذا حقهم المشروع ، لكن هل يعلم المستهلك أن تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد في البيوت المغطاة تقارب 4 إلى 5 دراهم؟ بذور غالية، أسمدة مستوردة بالعملة الصعبة، تكاليف مياه التحلية، وأجور العمال ، التصدير كان هو المنفذ الوحيد الذي يعوضنا عن خسائر السوق الداخلي.”
​ويرى المنتجون أن التدخلات الظرفية يجب ألا تتحول إلى قاعدة، محذرين من أن استمرار الأسعار المنخفضة جداً قد يدفع بعض الفلاحين الصغار إلى العزوف عن زراعة الطماطم في المواسم المقبلة، مما قد يولد أزمة ندرة أشد في المستقبل.

​خلاصة الميدان: ربح معركة والرهان على الحرب

​كشف هذا التحول الخاطف حقيقة واحدة: أزمة الأسعار لم تكن مرتبطة فقط بنقص المحصول أو الجفاف، بل كانت مرتبطة أساساً بخلل في التوازن بين متطلبات التصدير وأولويات الأمن الغذائي الداخلي.

​ورغم أن قرار تقييد التصدير أثبت نجاعته كـ”مسكن سريع” أعاد التوازن لميزانية الأسر البسيطة، إلا أن التحدي الأكبر يظل هيكلياً: إرساء معادلة عادلة تحمي قفة المواطن من جشع الوسطاء والمضاربات، دون أن تكسر ظهر الفلاح الذي يشكل الحلقة الأضعف في هذه السلسلة الإنتاجية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة