صوت سوس : سمير بيواراين
إن عبارة ” إفراغ السياسة او الحقل السياسي من العقول وفتح المجال أمام الذيول ” . إدانة لاذعة لواقع سياسي يمر بتحولات بنيوية عميقة، حيث تفقد السياسة جوهرها القائم على الفكر والبرنامج والترافع، لتتحول إلى ساحة مفتوحة للتابعين وتابع التابعين ومن تبعهم الى يوم التصويت ممن يفتقرون إلى الكفاءة والرؤية وحس المسؤولية ويعوضون ذلك النقص بالولاءات الشخصية والمصالح الضيقة. إنها استعارة قوية تشخص حالة تفريغ ممنهج و ربما مؤشر عليه للعمل السياسي من محتواه الفكري والنخبوي والتأطيري ، لصالح أدوات تنفيذية تفتقر إلى الاستقلالية والقدرة على الابتكار.
فالعبارة تفترض وجود عقول كانت تمارس السياسة بوصفها فعلاً نبيلا ومسؤولية وطنية، ثم جرى تهميشها أو إقصاؤها تدريجياً، لتحل محلها ذيول لا تملك من أدوات الفعل السياسي سوى الانقياد والتبعية العمياء.
هذا التحول لا يمس فقط نوعية و جودة الممارسة السياسية، بل يعيد تعريف العلاقة بين النخبة والمجتمع، وبين الحزب والسلطة، وبين الاعيان والمصالح الاقتصادية وبين التمثيل السياسي والتنمية المحلية.أما العقول , في الخطاب السياسي تشير إلى النخب القادرة على التحليل والتركيب و المبادرة ، وصاحبة المشاريع المجتمعية، والواعية بتحولات السياقات المحلية والجهوية و الوطنية و الدولية. هي تلك الكفاءات التي تضع البرامج وتدافع عنها، وتؤمن بالتعددية والتنافس الديمقراطي التنموي (وليس الاغلبية الامية العددية ) كآلية لتطوير الأداء وخدمة المواطنين. حضورها يضمن استمرارية النقاش العمومي ويسمح بتجديد الأفكار ومراقبة السلطة و موازنة دورها.أما الذيول , فتعبر عن التابعين الذين يفتقرون إلى الاستقلالية الفكرية والقدرة على المبادرة و على الاختيار. ووجودهم في المشهد السياسي لا يضيف إليه محتوى جديداً، بل يرهقه ويجعلهم مجرد أدوات ذات الاستعمال الواحد لتمرير أجندات الآخرين. “الذيلي” لا يصنع الحدث، بل يكتفي بالركض خلفه؛ ولا ينتج الأفكار، بل يردد الشعارات و ينشر الأكاذيب ؛ ولا يسائل السلطة، بل يسعى لمباركتها بأعين مغمضة وبقلب سليم .
هذه الثنائية تعيد إنتاج سؤال مركزي في التدبر السياسي: هل السياسة ,صناعة نخب وكفاءات، أم هي مجال للولاءات والمحسوبيات والانقياد الأعمى؟ فالعبارة تفترض أن الخلل يكمن في انزياح التوازن لصالح الخيار الثاني، مما يهدد جوهر الممارسة الديمقراطية.
يعيش إقليمنا شتوكة آيت باها مؤخرا واقعاً سياسياً يبدو، في جوانب منه، تجسيداً حياً لمضمون العبارة التي نحن بصدد تحليلها. فالمشهد السياسي المحلي يتميز، وفق عدد من المتتبعين، بصمت أغلب الهيئات الحزبية مقابل نشاط مكثف لفاعلين محسوبين على حزب الظل . هذا الوضع يعكس تراجعاً خطيراً في دور الأحزاب كإطار لتأطير المواطنين وتكوين النخب وصياغة البرامج التنموية.فالأحزاب التي يفترض أن تمثل العقول ,المنظمة والقادرة على إنتاج خطاب سياسي محلي و اقليمي متماسك، تبدو في الإقليم (مع استثناءات محدودة جدا ) غائبة أو غير حاضرة بالشكل الذي يفرضه السياق السياسي والتنموي. فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية 2026، يلاحظ المتابعون أن جل الكتاب الإقليميين لكل التنظيمات الحزبية اكتفوا، خلال الفترة الأخيرة، بحضور محتشم في المشهد العام، دون إصدار مواقف واضحة أو بيانات تعبر عن رؤيتهم. هذا الغياب يخلق مجالا سياسياً لا يمكن أن يبقى فارغاً، وسرعان ما تمتلئ فجواته بفاعلين من نوع آخر، هم ” المنعم عليهم ” الذين لا يحتاجون إلى برامج بقدر ما يحتاجون إلى فرق من الذيول وعلاقاتهم الشخصية و العائلية لتمكينهم من البقاء والظهور.
ومن ملامح تحول السياسة في الإقليم هو تراجع دور البرامج الحزبية لصالح النفوذ الاجتماعي والاقتصادي. فالمشهد الانتخابي المحلي بات يعرف ضعف الأحزاب وتراجع دور النخب السياسية التقليدية، مقابل صعود فاعلين يعتمدون أساساً على النفوذ الاجتماعي والاقتصادي، بحيث أصبح تأثير بعض المحسوبين على حزب الظل و المنعم عليهم , أكبر من تأثير التنظيمات الحزبية نفسها و ربما ينافس لحد كبير احيانا دور السلطة دون التفوق عليها .هذا التحول يعني عملياً أن السياسة تفرغ او افرغت من محتواها البرامجي والفكري بقصد او بدونه ، وتتحول إلى ساحة للمنافسة على النفوذ باستخدام أدوات لا علاقة لها بالعمل السياسي المؤسس على العقول و الفكر .
حين يصبح تأثير ” المنعم عليهم ” أكبر من تأثير التنظيمات الحزبية، فإن السياسة تفقد بعدها النخبوي وتتحول إلى مجال للصفقات الانتخابية والولاءات الشخصية، حيث يصبح ” الذيل ” هو الفاعل الأساسي.
فاللقاءات غير الرسمية والتحركات السياسية المبكرة تشكل مؤشراً آخر على تحول المشهد السياسي في الإقليم. ففي مناطق متعددة من شتوكة آيت باها ، تنشط لقاءات اجتماعية وحتى دينية مرتبطة بالزوايا و المدارس العتيقة احيانا ذات طابع سياسي غير معلن، تلتقي فيها شخصيات محسوبة على المنعم عليهم مع فرق الذيول لمناقشة الاستحقاقات المقبلة وتوزيع الأدوار نسبيا .
هذه الدينامية الموازية للعمل الحزبي الرسمي تطرح علامات استفهام كبرى: أين هي التنظيمات الحزبية عن هذه اللقاءات؟ ومن الذي يمثل “العقول” في هذه التجمعات؟ الإجابة الضمنية تشير إلى أن السياسة الحقيقية صارت تصنع في الفضاءات شبه الخاصة، بعيداً عن المؤسسات المنتخبة والأجهزة الحزبية، مما يكرس منطق “الذيول” الذي يتحرك خارج أي إطار برامجي واضح.
وتشهد الخريطة الحزبية في الإقليم تحولات لافتة تعكس هشاشة الانتماءات وغياب الثوابت الفكرية واعتماد الترحال الحزبي على انه الاصل والثبات الانتمائي هو الاستثناء. و نموذج ذلك ما أثير حول احتمال عودة عدد من الأسماء السياسية إلى أحزب كانت قد غادرتها سابقاً، وهو ما دفع حزب الاستقلال على سبيل المثال للخروج و إصدار بلاغ ينفي فيه الأخبار المتداولة، مؤكداً أن أي قرار من هذا النوع يخضع للمساطر التنظيمية .هذه التحولات تعكس أن السياسة في الإقليم صارت أشبه بسوق” للمنعم عليهم ، حيث تتنقل “الذيول” بين الأحزاب دون أن يكون لذلك أي معنى برامجي أو فكري، بل فقط بحثاً عن موقع أفضل في الخريطة الانتخابية المقبلة. في هذا السياق، يصبح الانتماء الحزبي مجرد أداة وليس غاية أو اختياراً نابعاً من قناعة فكرية.و الانعكاسات الأكثر خطورة لهذا التحول تطال التنمية المحلية ذاتها. فالسياسة حين تفرغ من العقول وتترك الذيول، تصبح عاجزة عن الترافع الفعال من أجل قضايا التنمية. في إقليم شتوكة آيت باها، يشتكي مواطنون من ” إقصاء ممنهج لمنطقة الساحل” و” توقف عجلة التنمية ” و”كارثية البنية التحتية ” و”اشكالية ملف التمليك بسيدي بيبي وايت عميرة ” و” ملف التعمير و البناء بالعالم القروي ” و”غياب المنتخبين وتقاعسهم على طرح الملفات المطلبية المشروعة “و..و…و..” .
هذه الشهادات الصادمة تعكس الفجوة بين العمل السياسي المفترض وواقع المواطنين. فحين تكون السياسة في أيدي “ذيول” لا تملك مشروعاً ولا رؤية، فإن الترافع عن قضايا الساكنة يغيب، وتزداد الفوارق المجالية، ويعمق الإحباط الشعبي تجاه النخب السياسية. و الخاسر الأكبر يكون هو التنمية المحلية ومصالح الساكنة مع هدر كبير لزمن التنموي .
و يبقى سؤال المليون درهم الذي تطرحه هذه القراءة هل يمكن استعادة التوازن وإعادة العقول إلى مركز العمل السياسي في الإقليم؟ سؤال اترك الجواب عليه لكم .
بات إقليم شتوكة آيت باها نموذجاً مكثفاً للإشكالية التي تطرحها عبارة إفراغ السياسة من العقول وفتح المجال أمام الذيول . فالمشهد المحلي يعكس، بدرجة عالية من الوضوح، تحولات السياسة المغربية في مناطق متعددة مع تراجع الحزبية البرامجية و صعود النفوذ الموازي، و تحول الانتخابات إلى استفتاءات على الولاءات الشخصية، وتهميش النخب المفكرة لصالح التابعين الاميين سياسيا..
غير أن هذه القراءة لا ينبغي أن تكون تشاؤمية بقدر ما هي دعوة إلى وعي نقدي يلامس جوهر المشكل. فاستعادة السياسة لمحتواها النخبوي في الإقليم تتطلب وعياً جماعياً بأن التنمية الحقيقية لا تصنعها الذيول ، بل تحتاج إلى عقول قادرة على الفهم والتحليل والترافع واتخاذ المبادرة. كما تتطلب إرادة سياسية محلية ووطنية لإعادة بناء الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتشجيع الكفاءات على الانخراط في الشأن العام، وتطوير آليات التكوين والمراقبة والمحاسبة.
والرهان، في النهاية، هو على ساكنة الإقليم ذاتها التي تملك، عبر وعيها واختيارتها، أن تعيد توجيه البوصلة نحو سياسة مختلفة, سياسة تضع العقول في موقع القيادة، وتجعل من الذيول مجرد ذكرى لمرحلة تجاوزها الزمن..




عذراً التعليقات مغلقة