صوت سوس : محمد الراجي
بينما لا يزال التعليم المغربي يتخبط في أزمة عجزت كل المخططات والبرامج الإصلاحية المطبقة عن إخراجه منها إلى حد الآن، نجح التعليم اليهودي بالمملكة، منذ عقود طويلة، في اتخاذ مسار مغاير، جعلته يحقق نجاحا لافتا.
النجاح الذي حققه التعليم اليهودي في المغرب يُعزى، بالأساس، إلى إخضاعه لنقلة نوعية، في ظرف وجيز، من التعليم الديني الشبيه بالتعليم الإسلامي إلى تعليم عصري لائكي؛ كما يوضح محمد حاتمي، أستاذ التعليم العالي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس.
حاتمي أوضح، في ندوة حول “مسارات إصلاح التعليم بالمغرب”، تنظمها الجمعية المغربية للبحث التاريخي، أمس الخميس واليوم الجمعة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، أن التعليم اليهودي لم يخضع لإصلاح “بل لنموذج جديد يرمي إلى القطع مع النمط التعليمي التقليدي، ولم يقتصر التغيير على التدريس والتلقين، بل تعداهما إلى تلقي قيَم بعينها وغرسها وتثبيتها في نفوس المتعلمين”.
وأردف الجامعي ذاته: “لا يتعلق الأمر بإصلاح للتعليم الديني، الذي كان أساسه حفظ وترديد نصوص مقدسة لا يفهمها المتعلم ويكتفي فقط بترديدها؛ بل بنظام تعليمي جديد مسَح الطاولة ووضع منظومة جديدة فُكر فيها وفُرضت من الخارج”.
النقلة النوعية التي عرفها التعليم اليهودي في المغرب قادها التحالف الإسرائيلي العالمي “الأليانس”، انطلاقا من العاصمة الفرنسية باريس، والتي كانت تضم نخبة من المثقفين والمفكرين المتنورين ذوي النفوذ داخل دواليب الدولة الفرنسية ولهم دراية بالوضع الاجتماعي لليهود المغاربة.
وأوضح حاتمي أن استراتيجية النهوض بالتعليم اليهودي، الذي هُندس من طرف “الأليانس”، كان يقوم على جعل المواطنين اليهود أشخاصا فاعلين ومساهمين في جميع مناحي الحياة العامة، دون التفريط في ثقافتهم وتقاليدهم.
وأوضح أن مهندسي الإصلاح الجذري للتعليم اليهودي اشتغلوا وفق مقاربة شاملة، حيث أدركوا منذ البداية أن المواطنين اليهود لن يتلقوا التعليم نفسه، نظرا للظروف الاجتماعية الصعبة لسكان الملاح؛ ما جعلهم يوجهون غير القادرين على متابعة الدراسة إلى التكوين المهني، من أجل تعلم مهن مدرة للدخل، في مجال النصاعة والتغذية والخدمات والفلاحة العصرية.
وأولى مهندسو النقلة النوعية التي عرفها التعليم اليهودي في المغرب أهمية للمواد العلمية “للقطع مع الخرافة”، حسب حاتمي، إضافة إلى التاريخ اليهودي من أجل التعريف بمعاناة اليهود عبر العالم، واللغات، لا سيما الفرنسية والإسبانية، في حين أُقصيت العربية ولم يخصصوا لها سوى ساعات قليلة ولم يتم إدماجها في البرامج التعليم إلا عام 1955.
وبالرغم من أن التعليم اليهودي انتقل من تعليم ديني تقليدي إلى تعليم عصري لائكي، وفق نمط الجمهورية الفرنسية الثالثة، فإنه لم يقطع مع الدين والتربية الدينية، حيث ركز مهندسوه على “تأهيل المتعلمين للاندماج في العصر دون اجتثاثهم من بيئتهم”.
نجاح التعليم اليهودي يُعزى أيضا إلى الأهمية التي أوليت لتعليم البنات، حيث اجتهد مهندسوه على إقناع آبائهن بجدوى تعليمهن، والاشتغال على تهيئة المجتمع من أجل تقبل عمل المرأة خارج البيت؛ ما أفضى إلى خلق دينامية داخل المجتمع اليهودي، حيث اشتغلت المرأة اليهودية بشكل مكثف في عدد من القطاعات، مثل المستوصفات.
وبالرغم من أن التعليم اليهودي همّ فقط الطائفة اليهودية في المغرب، آنذاك، فإن أثره كان واضحا على باقي المجتمع، حيث أشار حاتمي إلى أن دونات بنسيمون، الباحثة في التاريخ والأنثروبولوجيا، قالت، عند نهاية الحماية، بأن اليهود “لهم سبْقُ جيلٍ على الأقل عن أترابهم المسلمين؛ وهو ما يفسر ارتفاع عدد المهندسين والأطباء والمحامين وموظفي البريد وغيرهم من الأطر”.




عذراً التعليقات مغلقة