الجفاف وتأخر التساقطات يسائلان قدرات المغرب في مجال “التمطير الاصطناعي”

صوت سوس13 نوفمبر 2022
الجفاف وتأخر التساقطات يسائلان قدرات المغرب في مجال “التمطير الاصطناعي”

صوت سوس : يوسف يعكوبي

بعد موسم جاف انقضى على إيقاع تراجع المحاصيل الفلاحية، وتضرر قطاعات موازية كإنتاج الحليب والعسل وتربية النحل والمواشي، مع انخفاض حاد في القيمة المضافة الفلاحية وتدهور مساهمتها في النمو الاقتصادي العام للمغرب، بدأ “شبح الجفاف” يطل برأسه من جديد مع انتصاف شهر نونبر، معيدا إلى أذهان المغاربة سيناريوهات سنوات عصيبة لم يعيشوها منذ أكثر من ثلاثين عاما.

وبين سكان القرى بالمغرب انتشرت، في فترات تاريخية، طقوس تسمى “بلغنجا” أو “تاغنجة”، تقام في جو احتفالي اجتماعي يمزج بين الفرجة والجدية، بمشاركة نساء وأطفال يتوجهون باستعطاف ودعوة صادقة أن يرسل الله السماء عليهم مِدرارا، إضافة إلى “صلاة الاستسقاء” التي تؤدى عادة بإذن من السلطات الرسمية.

مقابل هذه “الطقوس التقليدية”، المنتشرة على امتداد مناطق المغرب طلباً لـ”جود السماء” كلما انحبس المطر وجفت الأرض ونَدُر الماء، تتعالى أصوات بعض الفاعليين البيئيين وخبراء المناخ بضرورة التفكير في حلول “بديلة تستند إلى تقنيات ومشاريع علمية بحثية” قد تكون خيارا إضافيا أمام المملكة طلبا للغيث ومساعدةً في إسقاطه.

في هذا الصدد، يبرز “استمطار السحب اصطناعيا” (L’ensemencement des nuages) وتحفيزها على إسقاط محتواها من بخار الماء أو المياه الكامنة فيها، كواحد من أبرز الحلول العلمية المطروحة بقوة خلال السنوات القليلة الماضية للتعاطي مع تواتر مواسم شح الأمطار وحدة الجفاف.

في هذا الإطار، قال الخبير المناخي علي شرود إن “المنظور العلمي” يستدعي التفكير في هذا الحل الذي أصبح يفرض نفسه خلال السنوات الأخيرة، مبرزا أن “الحاجة إلى تطبيقه بالمغرب أصبحت ملحة في سياق التغيرات المناخية التي لم يسلم منها المغرب بعد تداخل الفصول”.

وسجل الأستاذ الجامعي ذاته الخبير في جيو-ديناميات الأرض والبيئة، في تصريح للجريدة ، أن “المملكة يمكنها البدء فعليا في اللجوء إلى تقنيات الاستمطار المعتمدة في أكثر من دولة عربية، خاصة دول الخليج والأردن ذات المناخات الجافة أو القاحلة، ما يمكّن المغرب من استعمالها في إطار تعاون ثنائي أو إقليمي”.

وأكد شرود أن الأمر أصبح “ضرورة” بالنسبة للمغرب، نظرا لأن “الغاية تبرر الوسيلة في هذا الصدد، لعلاج إشكالية ندرة الأمطار”، واصفا ما يقع حاليا بكونه “زحفا لفصل الصيف على فصل الشتاء مع تأخر واضح للأمطار يستوجب حلولا مبتكرة وبديلة”.

وأردف الخبير في المناخ بأن “تقنية الاستمطار تقتضي إسقاط أمطار مَوْضعية قد تساعد بـ10 بالمائة في تجاوز الوضعية الجافة التي تميز بداية هذا الموسم الفلاحي”، لافتا الانتباه إلى “التكلفة المالية المرتفعة نسبيا التي تتطلبها استثمارات بملايين الدولارات”، على حد تعبيره، قبل أن يستدرك بأن “تضاريس ومناخ وموارد المغرب تساعد بشكل كبير في اعتماد تقنيات الاستمطار الصناعي”.

وتابع شارحا في حديثه مع الجريدة : “إنها طريقة صديقة للبيئة تخص استعمال طائرات خاصة بعمليات الاستمطار (aéronefs) محمّلة بقاذفات ذات مؤونة عبارة عن أملاح NaCl كلورير الصوديوم، KCl كلورير البوتاسيوم، كما نجد تقنيات أخرى تعتمد TiO2 ثاني أوكسيد التيطان”.

ودعا شرود إلى “الاستثمار في هذه التقنية والبحث العلمي بالمغرب”، موردا أنه “يمكنها النجاح بنسبة كبيرة، فقط يَلزمنا توجيهها إلى مناطق ذات تضاريس مساعِدة، كما يمكننا استعمال موارد مناجم الملح في التقنية حسب خصوصية المناطق، ما يتيح إمطار السحب بالمداومة مع استغلال أمثل للاضطرابات الجوية في السماء وتوقيتها”.

“ترتكز تقنيات الاستمطار على تحديد الهدف الذي يكون هو تكتل السحب في ارتفاعات معينة عن سطح الأرض وإرسال كتل أملاح كثيفة من الطائرات عبر تيارات متصاعدة”، يوضح الخبير المغربي، مشيرا إلى “تداخل التفاعلات الكيميائية البسيطة وغير المضرة بالبيئة في جلب قطرات الأمطار وتكثيفها”.

وحسب المتحدث نفسه، فإن “تفاعلات الأملاح مع القطرات الدقيقة تُنتج قطرات أكبر حجما، ما يساعد على هطول الأمطار الجاذبية الأرضية بشكل عمودي، بل وتوجيهها حسب طبيعة الطقس وسرعة الرياح وعوامل أخرى”.

وسجل شرود بإيجاب “انخراط المغرب ضمن سياسة جريئة في تحلية مياه البحر لتوفير مياه عذبة بعد التصفية”، مناديا باستثمار الأملاح الناتجة عن عملية التصفية في عمليات استمطار الغيوم.

وخلص شرود إلى أن المغرب شهد “محاولات سابقة للاستمطار وتفجير الغيوم بالطريقة العلمية المعروفة في دول الخليج”، التي اعتبرها سبّاقة إلى هذه التجربة لأن “المجال الجغرافي لديها يشهد صيفا طويلا على امتداد أشهر العام، ما يعني ندرة مياه”.

يشار إلى أن دولا عديدة (حوالي 40) بدأت تلجأ إلى هذا الخيار، الذي وصفه شرود بـ”الضرورة في الظرف الحالي”، من أجل تعديل الطقس أو تحسين مواردها المائية وسط ارتفاع الأصوات المنادية باستعجالية الحد من التغيرات المناخية.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة