صوت سوس : عبد الواحد استيتو
قال الكوتش ربيع الرحموني إن من بين أسباب فشل مجموعة من محاولات الإصلاح في المغرب، كمنظومة السير وغيرها، “أننا لا ننطلق من موقعنا الحالي ونتقبله كما هو؛ بل نحاول أن نغض البصر عن واقعنا، وننطلق من موقع آخر عبر برامج عملاقة تصرف فيها أموال طائلة ولا تناسب وضعيتنا، فيبدو الإصلاح كأنه حملة من حملات الترقيع لا غير، ونعود إلى وضعيتنا السابقة وتستمر الفوضى”.
واعتبر الرحموني، في تصريح للجريدة بخصوص إشكالية منظومة السير بالمغرب، أن قيادة التغيير تمر عبر خمس مراحل أساسية ستمكن من الخروج من فوضى السير، نحو بيئة آمنة كما أريد لها أن تكون .
مرحلة الفوضى هي أولى المراحل، وفق الرحموني الذي أوضح أننا نعيش الآن فوضى غير مسبوقة في منظومة السير؛ “بل أصبح للفوضى قانون خاص بها.. وهذا مؤشر أن السلوكيات اليومية انتقلت إلى مرحلة حرجة تجاوزت العادة والتي أسميها “النشوة”، أي أننا أصبحنا مستمتعين بفوضانا وندافع عنها (لا واعيا) كأنها قدرنا، فتسمع عبارات من قبل “إذا لم تقد السيارة بهذه الطريقة فلن تصل إلى عملك!”، “يتعبني الوقوف كل مرة في ممر الراجلين”..
ويزيد الرحموني أن مثل هذه العبارات هي “اعتقادات فكرية تدل على أننا في مرحلة تعلم تسمى الجهل المركب – نجهل أننا نجهل – وجب فيها إعادة التأهيل؛ فسلوكياتنا أصبحت ردود أفعال أوتوماتكية معدية لبعضنا البعض.. إننا، بعبارة أخرى، فقدنا الوعي بوضعيتنا.. لقد أصبحنا نعيش جنب الحياة وليس فيها كما يقول الكاتب الكندي والمتحدث إيكهارت تول مؤلف كتاب “القوة الآن” (إنها وضعية لا نحسد عليها وجب الخروج منها والوعي بها قبل فوات الأوان”).
وعن المرحلة الثانية التي يطلق عليها الكوتش ربيع الرحموني اسم “مرحلة الوعي”، أورد المتحدث أن الحملات الإعلامية التي تبث بهذا الخصوص “لا تجد صدى في أذهاننا ووجداننا؛ لأننا أصبحنا نائمين أو بالأحرى منومين.. وطبيعي أن لا تؤثر هذه الحملات؛ لأن هذا النوع، الذي يركز على التخويف، ينفع في مرحلة الوعي التي يلزمنا وقت للوصول إليها وعمل متواصل في الميدان قريب من مستعملي الطريق، وليس في الشاشات فقط”.
وأضاف الرحموني أن الوعي مرحلة تحتاج على الأقل من تسعة شهور إلى سنة من الحضور المكثف والمستمر “لإعطاء رسالة واضحة: لا يمكننا الاستمرار على هذا الوضع، وحان وقت التغيير!.. وتتميز هذه المرحلة بتغييرات مندمجة ابتداء من شارات وإشارات المرور مرورا بلغة التواصل والتعاطف مع السائقين إلى ألبسة وشكل الساهرين على التوعية وتطبيق القانون… يجب أن يصبح التغيير السمة البارزة في ذهن الجميع حتى تعود الثقة في القانون وفي الساهرين عليه وفي أنفسنا بإمكانية التغيير”.
المرحلة الثالثة، وفق حديث الرحموني دائما، هي مرحلة المشاركة “المتمثلة في الانخراط الجماعي لرؤية واحدة لكل مكونات المجتمع: المؤسسات التعليمية، مدارس السياقة، هيئات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام… فالتغيير هو ثقافة أكثر منه سلوك يجب أن تراه وتشعر به وتلمسه وتسمع صداه طوال الوقت حتى ينتج سلوكيات من بذرته”.
“في هذه المرحلة يصبح مشروع التغيير حافزا للجميع أكثر منه عائقا، لأنه أصبح حقيقة وليس مجرد شعار وكلام عبر حملات موسمية، والتي تعزز عدم الثقة في الإصلاح. سيكون من الطبيعي عدم انخراط الجميع في العملية؛ لأن الناس ثلاثة أصناف عند ما يتعلق الأمر بالتغيير.. فهناك فئة تندمج وترحب به وتدعمه والتي تتميز بشخصية مسؤولة أو كما يسميها نمط كريسي للأمزجة بشخصية المواطن الصالح.. وفئة أخرى مقاومة لكل ماهو جديد والتي تحتاج إلى الوقت والقانون الرادع.. وفئة ثالثة تابعة لمن غلب”، يقول الرحموني.
ومتحدثا عن المرحلة الرابعة وهي مرحلة المسؤولية، اعتبر الرحموني أنه لا يمكن الحديث عن تغيير السلوك في غياب تطبيق القانون والامتثال إليه؛ “فالناس بطبيعتهم كائنات متمردة تحب الخروج عن المسار وارتكاب الأخطاء، أحيانا بسبب الأنا الذاتية (Self Ego) ، وأحيانا بسبب الضغوط والتغيرات الوجدانية والنفسية، وأحيانا أخرى بسبب العادة والتعود”.
وزاد المتحدث أن مجموعة من المظاهر السلبية المتفشية عندنا لم يعد ممكنا القبول بها “والتي تعزز الرشوة والتمرد على القوانين؛ فالقانون وضع لكي يطبق ويحترم من قبل الجميع.. وقد وجد علماء العلوم العصبية Neurosciences أننا، بعض النظر عن مستوانا المعرفي وتطورنا الشخصي، نصاب بغضب شديد يصعب معه ضبط النفس عندما نشعر بأننا لم نعامل بنفس الطريقة !. إنها مسؤولية القيادة الساهرة على تطبيق القانون ليعود إلى هذا الأخير سلطته وهيبته لدى الجميع. ولعلنا نتساءل لماذا أصبح الجميع ينتبه إلى حزام السلامة بعدما كان غائبا في سلوكياتنا اليومية ؟!، والجواب هو أن رسالة وصلت مفادها لن نقبل بهذا السلوك بعد اليوم! وهذا ما نحتاجه لكي يعود القانون محترما في منظومة السير.. وبعد ذلك يمكن لنا التحرر لنبدع ونطور في التقنيات والأساليب”.
وأخيرا، وبعد ترسيخ الوعي والانخراط الجماعي في إصلاح منظومة السير والقبول بالقانون كضامن أساسي، يمكن، تبعا لحديث الرحموني، المرور إلى مرحلة تجديد وابتكار أساليب جديدة تناسب العصر والمتغيرات المصاحبة، “إذ إن منظومة السير متعلقة بالسلوكيات البشرية واحتياجاتهم فهي تحتاج إلى تقييم وتحسين مستمر (KAIZEN) لتستطيع استيعاب متطلبات العصر الحالي”.
ويختم المتحدث بالقول: “إن من بين أسباب فشل التغيير نجد غياب مراحل الاستعداد المسبق له والتي تتمثل في المراحل السالفة الذكر؛ فالبعض يعتقد أن الاستعانة بكاميرات مراقبة حديثة وقانون رادع وطرق عصرية من شأنه حل إشكالية السير.. والحق أن هذا وهم يصرف عليه الكثير من الأموال وتضيع معه فرص التغيير الحقيقي، بل ويزيد من تكريس عدم الثقة عند المواطن في الإصلاح. إن منظومة السير تعتبر من أعقد الإستراتجيات التي تتطلب تفكيرا صافيا، واقعيا ومبدعا للتعامل مع سلوكيات الجماهير والسيطرة على الوضع بانسيابية ومرونة. ومن ثمّ، فإن الكثير من الدول المتقدمة تستعين بعلماء النفس وخبراء قيادة التغيير لإنجاح هذه الأوراش”.




عذراً التعليقات مغلقة