بسم الله الرحمن الرحيم
حدبث الجمعة
الحلقة: (190)
التحذير من الغرور.
الحمد لله رب العالمين، يحب من عباده المؤمنين المتواضعين، ويبغض المتكبرين المتجبرين، نستغفره –سبحانه- ونتوب إليه، ونعوذ به –جل في علاه- من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خاتم النبيئين، وإمام المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيقول ربنا الكريم عز من قائل –سبحانه-: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَّلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 6 – 8].
إخواني القراء الأفاضل: إن مكارم الأخلاق حصن للمجتمع ورقي به نحو التقدم والازدهار، ومساوئ الأخلاق مسقط له في التفرقة والتفكك والانهيار، وإن من مكارم الأخلاق التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، والتفكر في عاقبة المتقين، وتيسير الأمور لمن وليها على الناس أجمعين.
وإن من مساوئ الأخلاق الغرور بالنفس أو بالمال أو الجاه أو العلم أو الذكاء عند بعض الناس، فيدعوه ذلك إلى تنقيص الآخرين واحتقارهم وازدرائهم ومنعهم حقهم، وأن يجعل بينه وبينهم سداً من عدم التواصل والتعاون والتراحم والتزاور، ويتيه بعد ذلك في الحياة، ويتكبر على الناس، ويعرض عن قبول الحق، ويتمادى في الاستعلاء والطغيان؛
لذا كان الغرور داء خطيرا أهلك أُمَماً قص الله علينا من أخبارهم؛ حتى يكونوا لنا عبرة ولا نسلك طريقهم، أو نركب سفينتهم، ومن ذلك ما ورد في شأن قارون المغتر بما أوتي من الأموال العظيمة، فحمله ذلك على البغي وظلم الناس والتجبر عليهم، فكان مصيره أن خسف الله به وبأمواله.
قال –تعالى-: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخُسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 76 – 83].
فالغرور داء يدل على طمس نور العقل والبصيرة، ينخدع معه العبد بما آتاه الله من أسباب القوة والجمال وحطام الدنيا الفانية؛ فيتعالى على الناس ويتكبر، ومن ثَـمَّ يتكبر أيضا على ربه وخالقه ومولاه، فلا يخضع له ولا يقوم بواجب العبودية له، وقد يغتر بأمله في طول البقاء فيؤخر التوبة ويتمادى في المعصية، ويعطي لنفسه أماناً، وينسى فجأة الموت وأحداث الزمان، ولا يفكر في المصير الذي سيصير إليه.
سبب الغرور:
إن السبب الباعث لبعض الناس على الغرور الجهل بحقيقة النفس، والجهل بحقيقة الحياة، والجهل بصفات الرب جل وعلا، فإذا جهل الإنسان كل هذه المعاني رفع نفسه فوق قدرها، وترفع على الخلق، وتكبر على الله، ثم يسقط حينئذ في حبال الشياطين، ويصير من المغرورين.
قال الله الكريم الحليم محذرا: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 5، 6].
وقال –سبحانه-: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئَةً عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الاسراء: 37، 38].
وقال –سبحانه-: {وَلَا تُصَاعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان 18].
أيها القراء الأكارم: إذا كان الغرور داءً بهذه الخطورة فما علاجه؟.
إن أفضل علاج لهذا الداء أن نبحث عنه في تعاليم الإسلام التي تصلح النفوس وتجمع القلوب، وتؤكد للناس حقيقة عظيمة جاءت في قوله –تعالى- تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].
وجاءت هذه الحقيقة أيضا في السنن الكبرى للنسائي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعا قال: “وَاللهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيَخْلُو بِرَبِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا غَرَّكَ بِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ، مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، مَاذَا أَجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ؟”.
فكن أيها العبد ممن أخلص عمله من حب الدنيا وقارنه بطلب الآخرة؛ لتنجو من الغرور وتريح نفسك وغيرك.
فاللهم بصرنا بعيوبنا وأصلح أحوالنا، ورد بنا إليك مردا جميلا، آمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل




عذراً التعليقات مغلقة