حديث الجمعة الحلقة : (177) خلق الحياء .

صوت سوس13 يوليو 2018
حديث الجمعة الحلقة : (177) خلق الحياء .

حديث الجمعة

الحلقة: (177)

{خلق الحياء}

الحمد لله رب العالمين، عالم الغيب والشهادة وهو العزيز الحكيم، القائل: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]، والقائل: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] ونصلي ونسلم على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، الذي أضاء الله به الطريق للبشرية جمعاء، فاهتدى بنوره من الأمة العقلاء، وغفل عنه السفهاء، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما أشرقت الشمس وغربت إلى يوم اللقاء، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد :

فقد روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده إلى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم– مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم– «دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ».

إخواني القراء الأعزاء: حدينا السوم عن خلق الحياء، فالحياء خلق إسلامي رفيع لا يأتي إلا بخير، عده الإسلام شعبة من شعب الإيمان، من رُزِقَه رُزِقَ كل خير، ومن حُرِمه حرم كل خير، قال –عليه الصلاة والسلام-: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ، إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» رواه البخاري.

والحياء كما عرفه العلماء: “خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق من الحقوق، فما أعظمَ أن يكونَ الإنسان متخلقا بحياء يمنعه من الوقوع في المعاصي، ويَمنعه من ارتكاب رذائل الأقوال والأفعال، فمن كساه الحياء ثوبه، لم يَرَ الناسُ عَيْبه.

فالحياء تاج الأخلاق بلا منازع، وفقده باب مفتوح إلى الرذائل بدون مخالف، ولهذا تجد من يملك ذرة من الحياء إن كان مبتلى لا يظهر الذنوب والمعاصي أمام الناس، فهو يستحيي أن يٌرى على قبيح، ومن فقد ذرة الحياء صدر منه كل شنيع.

فما الفجور والمعاصي التي نراها اليوم إلا نتيجة لفقد الحياء، فلغياب الحياء عن المجتمع المسلم مظاهر وخيمة، أقبحها سيادة الفحش والعري والتفسخ والرذيلة والمخدّرات والخمور، وانتشار المعاصي والذنوب. ورحم الله الشاعر العربي القائل:

فَلا وَاللَّهِ مَا فِي العَيْشِ خَيْرٌ *** وَلا الدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ
يَعِيشُ المَرْءُ مَا اسْتَحْيَا بِخَيْرٍ *** وَيَبْقَى العُودُ مَا بَقِيَ اللِّحَاءُ
أيها القراء الأعزاء: لقد وجه النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى عموم أمته هذا الأمر فقال: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» ، فقال الصحابة –رضوان الله عليهم-: إِنَّا لَنَسْتَحِي يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» [رواه الإمام أحمد].

فهذا الحديث النبوي الشريف غاية في الأهمية، حيث إنه يبين الحياء الحقيقي الذي ينبغي أن يتحلى به الإنسان المؤمن.

فأول من ينبغي أن تستحي منه أيها العبد الله جل وعلا، كيف تستحي من الله؟ تستحيي منه أن يراك على معصية، تستحيي منه أن يراك حيث نهاك، أو أن يفقدك حيث أمرك، تستحيي من ربك الَّذي خلقك فسوَّاك فعدلك، ومن كلّ نعمة أسبغ عليه وأعطاك، ولطريق الهدى والخير وفَّقك وهداك.

البعض منا يستحيي من فعل ذنب أمام أعين الناس، لكنه إن كان في خلوة، بارز الله بالمعاصي، وتعدى الحرمات، وارتكب المنهيات، {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء: 108].

أيها القراء الفضلاء: إذا انعدم الحياء قلتِ المروءة ورقَّ الدِّين، وأصبحت المجاهرة بالمعاصي مفخرةً يُتباهى بها. فواجب على أهل الإيمان والغيرة والمروءة، أن يهذِّبوا أنفسهم بهذا الخُلُق النبيل خلق الحياء، ويسْعَوا في تربية أولادِهِم -ذُكورِهم وإناثِهم- على هذا المعْدن الأصيل، والحرص على عدم نشْر السُّوء والفحْشاء. وواجب على من ابتلبي بالذنوب إن لم يتسح من الله أن يستتر، عسى أن يتوب الله عليه، ويغفر ذنبه، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-َ يَقُولُ: “كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْه، فَيَقُول: يَا فُلاَنُ، عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ”.

فاللهم أسبغ علينا ثوب الستر والعافية، ولا تظهر للناس عيوبنا وذنوبنا، فإنك عفو كريم حليم جواد ستير، اللهم خذ بأيدينا إليك، وتجاوز عنا ما صدر منا من تقصير، فإنك غفور رحيم، سميع مجيب الدعاء، آمين.

والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة