حديث الجمعة
الحلقة: (173)
{فرحة العيد}
الحمد لله رب العالمين، أعاننا على الصيام فصمنا، وأعاننا على القيام فقمنا، وعلى ختم القرآن فختمنا، فله الحمد ربنا على ما أولانا ووفقنا، حمدا كثيرا طيبا سرمدا، ونصلي على من بعثه ربه مبشرا ونذيرا وعلى الخلق يوم القيامة شهيدا، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين ما خر العباد لربهم ركعا وسجدا، وسلم تسليما دائما مؤبدا.
أما بعد:
فيقول ربنا –عز من قائل سبحانه-: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
إخواني أخواتي القراء الفضلاء: نحمد الله –عز وجل- ونشكره على ما من به علينا من إكمال شهر الصيام، ونسأله أن يتقبل منا ما قدمنا فيه من أعمال، وأن يغفر لنا ما حصل منا فيه من تقصير أو آثام.
لنعلم –أيها القراء الأعزاء- أن هذا اليوم يوم عيد وفرح، جمع الله لنا فيه بين عيدين: عيد الأسبوع يوم الجمعة، وعيد الفطر السعيد؛ لذلك المؤمنون هم فرحون مستبشرون متهللون، فرحون بما من الله به عليهم من إكمال شهر صيامهم وقيامهم، وتمكينهم من اغتنام فضائله، وشغل أوقاته بالطاعات والقربات، فإن الفرح بذلك هو الفرح المشروع الممدوح، وهو المشار إليه في الآية الكريمة بقول الله –تعالى-: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
فهذا اليوم يوم شكر وذكر، وأكل وشرب وفطر، يحرم صومه لما في صومه من الإعراض عن ضيافة الله -عز وجل- ومخالفة أمره، حيث شرع الإفطار فيه.
وقد شرع الله -عز وجل- لعباده أعيادا بعد استكمال كل عبادة من العبادات العظيمة في الإسلام؛ فعيد يتكر كل أسبوع، وهو يوم الجمعة، جعله الله يأتي بعد استكمال الصلوات المكتوبة في كل يوم وليلة وهي خمس صلوات، فإذا استكمل المسلمون صلوات الأسبوع، جاء يوم الجمعة الذي جعله الله عيدا للأسبوع، وشرع فيه صلاة عظيمة يجتمع لها المسلمون وتسبقها خطبتان.
والعيد الثاني عيد الفطر الذي يأتي بعد استكمال صوم شهر رمضان، الذي جعله الله الركن الرابع من أركان الإسلام، بعدما استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم، واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار، فإن صيامه يكفر الله به ما مضى من الذنوب ويعتق في آخره عباده من النار، ولما يستكمل المسلمون صيام شهر رمضان يشرع لهم أن يجتمعوا على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وهو يوم الجوائز، يستوفي فيه الصائمون أجر صيامهم ويرجعون إلى بيوتهم بالمغفرة والرضوان.
والعيد الثالث من أعياد الإسلام التي شرعها الله عيد الأضحى، شرعه الله بعد إكمال فريضة الحج التي هي الركن الخامس من أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهكذا نجد الأعياد الإسلامية تأتي بعد استكمال العبادات، ويشرع فيها أنواع من الطاعات، شكرا لله سبحانه على توفيقه.
أيها القراء الأعزاء: إن العيدَ يكون جميلاً بوصْلِ الأحباب، وزيارةِ الأقارب والأصحاب، قال الله -جل وعلا- : {واتقوا الله الذي تسَّاءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} [النساء: 1].
وقال -عليه الصلاة والسلام-: “أيها الناس أَفْشُوا السلام، وأطْعِمُوا الطعام، وَصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا والناسُ نِيَام، تدخلوا الجنةَ بسلام” [رواه الترمذي].
ويأتي بالدرجة الأولى في سلسلة الأرحام الوالدان، فعليك أيها المسلم أيتها المسلمة بِبِرِّ والِدَيكَ، فقد قال ربنا -جل وعلا-: {ووصينا الإنسان بوالديه حُسناً} [الأحقاف 15].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: {أقْبَلَ رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال أبايِعُكَ على الهجرةِ والجهادِ أَبتغي الأجْرَ من الله، قال: فهل مِن والِدَيْكَ أحدٌ حيٌّ؟ قال نعم بل كِلاَهُما، قال فتبتغي الأجرَ من الله، قال: نعم، قال: فارجِعْ إلى والِدَيكَ فأحْسِنْ صُحْبَتَهما}. [رواه مسلم].
فصلوا أرحامكم، وزوروا في الله أصدقاءكم، وعودوا مرضاكم، يشفع لكم ذلك يوم لقاء ربكم.
أيها القراء الكرام: ما أجملَ أيضا في هذا اليوم أَنْ نمسَحَ فيه ما عَلِقَ في القلوبِ من حسدٍ أو غِلٍّ أو عداوةٍ أو بغضاء، هيَّا بنا في هذا اليوم المشهود أن نصِلَ مَن قَطَعَنَا، ونَعْفُوَ عمَّنْ ظَلَمَنَا، ونتَجَاوَزَ عمَّنْ أساءَ إلينا، ونُسَلِّمَ على مَن هجرَنا؛ لنعمل بما جاء به ديننا وليغفر الله –عز وجل- ذنوبنا؛ عملا بما جاء به الحديث الشريف عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ –رضي الله عنه- عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: “أيُّما مُسلِمَيْنِ الْتَقَيا فَأخَذَ أحَدُهُما بِيَدِ صاحِبِهِ فَتَصافَحا وحَمْدَا الله –تَعَالَى- جَمِيعاً تَفَرَّقا ولَيْسَ بينهما خطيئة”. [أخرجه السيوطي في الجامع الصغير، وصححه الألباني].
أيها القارئ الكريم إن انقضى رمضان فإن باب الأعمال ما يزال مفتوحا إلى قيام الساعة، فتقرب إلى الله بالصلاة والصدقة والصيام، واحرص على أن لا تفوتك صيام ستة أيام من شوال، فقد جاء فيها فضل كبير أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله- في صحيحه عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : “مَن صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر”.
فاللهم وفقنا لصيامها كما وفقتنا لصيام رمضان، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا ممن قبلت صيامهم وقيامهم، وتجاوزت عن سيئاتهم فضلا منك وتكرما، آمين.
والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.




عذراً التعليقات مغلقة