حديث الجمعة الحلقة : (162) تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها بنتا.

صوت سوس23 مارس 2018
حديث الجمعة الحلقة : (162) تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها بنتا.

حديث الجمعة

الحلقة: (162)

{تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها بنتا}

الحمد لله رب العالمين، أمرنا بالإحسان إلى البنات والبنين، وحذرنا من الظلم والتفاضل بين الذكر والأنثى في كل وقت وحين؛ لما في ذلك من الاعتداء على الحقوق، ولأنه مولد لردة الفعل والعقوق، ونشهد أنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له رب كل مخلوق، ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الصادق المصدوق، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد تحدثنا في الجمعة الماضية عن عناية الإسلام بالمرأة باعتبارها أما، كيف دعا الإسلام إلى الإحسان إليها، وإلى طاعتها وبِرِّها، والعناية بها؛ لما في ذلك من الفضل العميم؛ انطلاقا من قول الله –عز وجل- {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].

ومن قوله –سبحانه-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15].

وفي ركن اليوم نتكلم –بتوفيق من الله- عن التكريم الإسلامي للمرأة باعتبارها بنتا، فأول تكريم لها أنه حمى حقها في الحياة، تحيى وتعيش كما يعيش الابن، ومن أجل هذا الْحَقِّ حرم الإسلام ما كان شائعا في الجاهلية من وأد البنات في التراب، وسلبهن حقهن في الحياة، وتوعد الحق –سبحانه- بمحاسبة من يفعل ذلك، فقال: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير 8-9].

قال الإمام المفسر أبو الفداء إسماعيل بن كثير –رحمه الله-: “والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت، ليكون ذلك تهديدا لقاتلها، فإذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذا؟!” [تفسير ابن كثير ت سلامة (8/ 333)].

كما أنكر عليهم الإسلام ما كانوا يفعلونه من تسخطهم وكراهتهم للبنات فقال –سبحانه-: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل 58-59]. أي: بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوا لله، وبئس ما فعلوا.

فهذا من عمل أهل الجاهلية، ومع الأسف ما تزال بقية منه في الناس اليوم، فرغم هذا التحذير فهناك الكثير من الرجال، ما يزال يستقبل قدوم البنات بوجه عبوس قمطرير وبتسخط وعدم رضى، خصوصا إذا كانت البنت المولودة ثالثة أو رابعة، فتكون ولادتها مصيبة من المصائب خاصة على الأم المسكينة التي تعيش في خوف وقلق من ردة فعل الأب، وقد سمعنا عن أزواج طلقوا زوجاتهم بسبب هذا الموضوع. وكأن الزوجة هي المسؤولة الوحيدة.

ولا بد من التنبيه هنا إلى أن الطب الحديث قد أثبت أنه ليس للزوجة ذنب إذا أنجبت أنثى، لهذا ليس من حق الزوج أن يغضب أو يثور إذا حدث ذلك، لماذا؟؛ لأن الطب يقول: إن البويضة التي تحملها المرأة لها نوع واحد في كل نساء الأرض.
بعكس الحيوان المنوي الذي يفرزه الرجل، فهو عند الرجل يحتوي على نوعين. فالرجل إذن هو المسؤول عن هذا الأمر، فَلِمَ التشنيع والظلم للمرأة إذن؟.

فليتق الله أمثال هؤلاء وليعلموا أنه من الجحود والنكران أن يتكبروا على نعمة الله -سبحانه وتعالى- لأنه يقول:{لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَن يَشَاء إِنَـٰثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء ٱلذُّكُورَ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى:49-50].

وليس هذا فقط بل إن واثلة بن الأسقع يقول: “إن من يُمنِ المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر؛ لأنّ الله –تعالى- قال: {يَهَبُ لِمَن يَشَاء إِنَـٰثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء ٱلذُّكُورَ} ألا ترى إنّه بدأ بالإناث قبل الذّكور؟.” [تفسير الثعلبي: الكشف والبيان عن تفسير القرآن (8/ 324)].

ومن تكريم الإسلام للبنت أنه حذر من تفضيل الذكر عليها؛ إذ قال النبي –صلى الله عليه وسلم- “مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا، وَلَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا، – يَعْنِي الذُّكُورَ – أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ” [رواه أبو داود والحاكم صححه ووافقه الذهبي].

لكن بعض الناس في هذا الأمر أيضا مقصرون عفا الله عنا وعنهم؛ إذ عندهم تَسمعُ البنت أول ما تسمع كلمات الدعاء عليها بالموت، حتى ولو بالمزاح والمداعبة، فإذا طلبت شيئاً وألحت في طلبه أفهمت أنها أرخص من أن تعطى ما تطلب، وإذا اختصمت مع أخيها الولد فضربته ضُرِبَت وأُهِينَت على مسمع ومرآى من الولد، حتى يشمَت فيها ويرضى. وقد يعاملها إخوتها الذكور بالقسوة والشدة، والويل لها كل الويل إذا تأخرت في تلبية أي طلب لهم، فعندها قد يضربونها ويشتمونها ويحتقرونها، وقد يكون هذا بمساعدة الوالد.

أيها القارئ الكريم: إن ديننا الإسلامي الحنيف أعطى كل ذي حق حقه ولم يُظلَم عنده أحد، وإنما الظلم يقع من قبل الآباء على الأبناء، خصوصا البنات، فتكون النتيجة بالغة الخطورة في المجتمع. فهي أولاً تغرس في نفس البنت شعوراً بالمهانة والضعف، حتى إذا أصبحت أماً لم يكن في مقدورها أن تبث في نفوس أبنائها الشعور بالغيرة والاعتداد بالكرامة، وكيف تفعل ذلك وهي تفقد هذا الشعور أصلاً.

ثم إن البنت عندما تشعر أنها مظلومة مهضومة الحق، فإن هذا الشعور قد يولِّد لديها التمرد على أوامر الدين؛ لأنها تظن أن هذه التصرفات هي من الدين، وهي ليست كذلك فتتمرد وتصبح ضحية للأفكار الهدامة التي بثها أعداء الإسلام عن المرأة المسلمة، فتتحيين أول فرصة تحصل عليها للانفلات والتسيب، ويتولَّد لديها الحقد والرغبة في الانتقام. فإذا تزوجت بعد ذلك فإنها لن تجد أمامها من تثأر منه وتنتقم إلا زوجها وأولادها، مما ينتج عنه حدوث الخصام والمشاكل التي لا تنتهي.
نسأل الله –عز وجل- أن يمن علينا بالهداية والإحسان إلى والدينا وأبناءنا وبناتنا، وإلى كل من له حق علينا من شيوخنا وأساتذتنا ومعلمينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة